الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٧ - فصل (في ذكر أحكام المكلفين في القبر و الموقف و الحساب)
لكن المساءلة و ان كانت عامة فهي على المؤمنين سهلة و على الكافرين صعبة، لما فيها من التبكيت و المناقشة.
و أما كيفية شهادة الجوارح فقال قوم بينها اللّه تعالى متى يشهد، و قيل ان اللّه تعالى يفعل فيها الشهادة و أضافها إلى الجوارح مجازا، و كلا الأمرين مجاز.
و قيل ان الشاهد هو العاصي نفسه يشهد على نفسه بما فعله و يقربه و يكون ذلك حقيقة، و قيل انه تظهر فيه أمارة تدل على الفرق بين العاصي و المطيع. و كل ذلك جائز.
فأما الميزان فقال قوم انه عبارة عن العدل و التسوية و القسمة الصحيحة كما يقولون كلام فلان موزون و أفعاله موزونة. و هذا وجه حسن يليق بفصاحة الكلام.
و قال قوم: المراد به الميزان و الكفتين، و ان الأعمال و ان لم يصح وزنها و الصحف التي فيها هذه الأعمال يصح وزنها. و قيل: انه يجعل النور في إحدى الكفتين و الظلمة في الأخرى، و يكون لنا في الاخبار عن ذلك مصلحة في التكليف.
و أما الصراط فقد قال قوم انه طريق أهل الجنة و النار، و انه يمهد لأهل الجنة و يتسهل لهم سلوكه و يضيق على أهل النار و يشق عليهم سلوكه. و قال آخرون المراد به الحجج و الأدلة المفرقة بين أهل الجنة و النار المميزة بينهم.
فأما أهل الآخرة فالتكليف عن جميعهم زائل مثابين كانوا أو معاقبين، و انما كان كذلك لأنهم لو كانوا مكلفين لجاز منهم وقوع التوبة فيسقط عقابهم، و ذلك يمنع منه الإجماع.
و يمنع أيضا من استحقاق ثواب أو عقاب لإجماعهم على أنه ليس بدار استحقاق، و لان من شأن الثواب أن يكون خالصا صافيا من أنواع الشوب و الكدر، و التكليف ينافي ذلك، فعلى هذا قوله «كُلُوا وَ اشْرَبُوا» [١] صورته
[١] سورة البقرة: ٦٠.