الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٥ - فصل (في الكلام في الوعد و الوعيد و ما يتصل بهما)
المكاسب و التجارات لا يحسن إيجابها لمجرد النفع و يحسن ذلك إذا كان في تركها ضرر.
و هذا ليس بجيد، لأن لقائل أن يقول: انه يكفي في حسن الإيجاب وجه وجوب الإفعال، لأنه تعالى بالإيجاب فعلمنا وجوب الأفعال علينا و انما يجب علينا لوجه وجوبها، فالإيجاب انما حسن لهذه الوجوه بأعيانها، فأما جعل الفعل شاقا فبإزائه الثواب و الإيجاب انما حسن لوجه الوجوب.
و النوافل انما لم يحسن إيجابها لأنه ليس لها وجه وجوب كما أن للواجبات وجه وجوب معقول يجب لأجلها، نحو كونها ردا للوديعة و قضاء الدين و ما أشبه ذلك. و التجارات مثل النوافل لا وجه لوجوبها فلذلك لم يحسن إيجابها.
و الواحد منا و ان أوجب على غيره ما ليس له وجه وجوب نحو أن يهدده بالقتل ان لم يدفع ماله اليه، فيجب عليه الدفع و ان لم يكن له وجه وجوب انما كان كذلك لأنه لم تثبت حكمته، و الحكيم تعالى لا يحسن منه إيجاب ما ليس له وجه وجوب، فبان الفرق بينهما.
فان قيل: لو لم يستحق العقاب لكان مغري بالقبيح مع حصول شهوته، و انما ينزجر لمكان العقاب، و الذم لا ينزجر به العقلاء حتى يتركوا له المشتهيات العاجلة.
قلنا: يخرج من الإغراء بتجويزه استحقاق العقاب على فعل القبيح و الإخلال بالواجب دون القطع عليه، كما يخرج بالتجويز عن الإغراء في زمان مهلة النظر، لأنه لا طريق له هناك الى القطع على استحقاق العقاب.
و قيل أيضا انه يخرج عن الإغراء بفوت المنافع إذا فعل القبيح، لأنه يعلم أنه يفوته الثواب بفعل القبيح و الإخلال بالواجب، و فوت المنافع يجري مجرى حصول المضار في باب الزجر.