الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٩ - فصل (في الكلام في الوعد و الوعيد و ما يتصل بهما)
لأنا نجد من نفوسنا صحة اجتماع اعتقاد المدح على فعل مع استحقاقه الذم على فعل آخر و لا تعذر في ذلك. اللهم الا أن يريدوا أنه لا يصح اجتماع الاستحقاقين على فعل واحد بوجه واحد، فيكون ذلك صحيحا لكنا لا نقول ذلك. و كل ما يسأل على هذا و يفرع عليه فقد استوفيناه في شرح الجمل، و هو مستقصى أيضا في مسألة الوعيد للمرتضى رحمة اللّه عليه.
و اعتمادهم أيضا على أن من حق الثواب و العقاب أن يكونا صافيين من كل شوب فلو استحقا في حالة واحدة و فعلا في حالة واحدة خرجا عن الصفة اللازمة لهما و ان فعلا على البدل فمثل ذلك، لان أيهما قدم على الأخر فالمفعول به منتظر لوقوع الأخر، و ذلك يوجب نفي الخلوص و يقتضي الشوب، لأنه ان كان في عقاب و علم انقطاعه استراح الى ذلك، و ان كان في ثواب و تصور انقطاعه تنغص عليه، و إذا امتنع فعلهما امتنع استحقاقهما أيضا. باطل، لأن أول ما نقوله انا لا نعلم بالعقل أن من شرط الثواب أو العقاب أن يكون خالصا صافيا، و انما علمنا ذلك بالسمع، و قد علمنا بالإجماع أنه لا يمتزج الثواب و العقاب، و علمنا بالإجماع أن الثواب لا يتعقبه عقاب. فأما العقاب فلا دلالة على أنه لا يتلوه ثواب إلا في الكفار، فإنهم أجمعوا على انه لا يتلو عقابهم ثواب، و أما فساق أهل الصلاة فليس على ذلك دلالة.
ثم ليس الأمر على ما قالوه من أنه إذا تلا العقاب الثواب أن تلحقه راحة لأنه يجوز أن يلهيه اللّه عن ذلك و يشغله عن الفكر فيه، لان ما هو فيه من أليم العقاب و عظيم موقعه يشغل بعضه عن الفكر في العاقبة، و لو علم انقطاعه لما اعتد بذلك مع ما فيه من أنواع العقاب، و جرى ذلك مجرى ما يقوله من أن أهل النار يعرفون اللّه ضرورة و يسقط عنهم مشاق النظر لكن لا يعتد به، و كذلك يعلمون أولادهم و أعزاهم في الثواب و حصول أعدائهم في النار و مع ذلك لا