نهاية الدراية - الصدر، السيد حسن - الصفحة ١٢
الخالدة في اداء مهمته الرسالية، فكانت مفصلة للكتاب، وشارحة له، كما قال تعالى: (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) [١]. وقال: (وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) [٢]. وهكذا كانت السنة - دائما - مصدرا ثرا لبيان الاحكام وتفصيلها، وأساسا متينا لبنى الانسان العقائدية والفكرية، لانها توفر له رؤية سليمة عن الكون والحياة، وينبوعا غدقا للاخلاق الرفيعة السامية التي تبعث الحياة الهانئة الكريمة، وتضفي عليها روح البهجة والسعادة، بعيدا عن التعقيد، والتنافس المادي، الذي يمزق كيان الفرد والمجتمع معا. لذلك عنيت الامة الاسلامية - ومنذ اليوم الاول - بتعهد السنة وحفظها، ورواية الحديث وتحمله، فبلغت الامة الذروة في ذلك، ولم يتح لغيرها من الامم في حفظ تراث أنبيائهم كما أتيح لها ذلك. وهذه مفخرة لهذه الامة تفتخر بها على غيرها من الامم السابقة. فروى لنا المسلمون الاوائل ما ضاقت به الموسوعات الحديثية رغم تعددها، حتى صنف الشيعة الامامية أربعمائة كتاب تسمى بالاصول [٣] خلال القرون الثلاثة الاولى للهجرة، اضافة الى الكتب الحديثية الاخرى، دونوا فيها ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام من الاحاديث في كافة شؤون الحياة المتنوعة، حتى لا يشك من يطالع تلك الكتب، أنها ما تركت شيئا من أقوالهم وأفعالهم وسيرتهم في الامور كلها إلا وحوتها. ولم تقف عنايتهم بالحديث على روايته وتدوينه فقط، بل افرغوا الوسع في المحافظة عليه وتشبثوا بكل وسيلة لتحقيق هذا الغرض، حتى انتهوا الى تأسيس قواعد تسمى ب (علوم الحديث) لحفظ هذا التراث، وصيانته من التحريف فيه والدخيل، وتعهدوا بالعمل بها منذ العهد الاول، وهكذا في سائر العصور والازمان. ولقد أدت الحديث دورا ايجابيا لا ينكر في حفظ تراثنا الحديثي، وساهمت
[١] سورة النحل، الاية: ٤٤.
[٢] سورة النحل، الاية: ٦٤.
[٣] معالم العلماء، لابن شهر آشوب، ص ٣ (نقلا عن الشيخ المفيد المتوفى سنة ٤١٣ ه).