صفحات من التاريخ السياسي للشيعة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٣٨ - التعاون مع العثمانيين لصد البرتغاليين
من الآثار الباقية تعود لهؤلاء الغزاة، وهنا موقف يبين منهاج شيعة أهل البيت : في مقاومة التحديات التي تواجههم، فإن المنطقة لما احتُلَّت من قِبَل البرتغاليين، قام أهل المنطقة بالاتصال بالأتراك العثمانيين ولم يمنع الخلاف المذهبي الموجود (باعتبار كون الأتراك حنفيي المذهب) من ذلك التواصل والتعاون على طرد المستعمر الأجنبي الكافر، وبالفعل كان نتيجة ذلك أن أُخرج البرتغاليون من المنطقة،مع أنه كان يمكن لأهل المنطقة أن يضمنوا لأنفسهم حماية قوة كبرى تصد عنهم غارات البدو وأعداء المحيط.ولكنهم ضمن ثوابتهم الدينية رأوا أن عليهم أن يتحالفوا مع الأتراك المسلمين ضد الكفار الأجانب، وسوف يكررها أهل المنطقة في وقت لاحق كما سيأتي.وبقي الأتراك فيها إلى حوالي سنة ١٠٨٠ هـ مع أن الأتراك قد أساؤوا إلى أهل البلاد في فترات مختلفة، واضطهدوهم[١].
[١] ذكر ذلك المحقق السيد عدنان العوامي في مقالة له بعنوان القطيف وننقل ما قاله بنصه -على طوله لفائدته-: دخول الأتراك: كان راشد بن مغامس، قد استولى على الأحساء من الجبريين، وضمها إلى إمارته في البصرة سنة ٩٣١هـ ١٥٣٤م، وعند دخول السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد، تنازل له عن الحكم، وسلم له مفاتيح إمارته، وتقديرًا من السلطان لمبادرة الشيخ راشد هذه أنعم عليه بالولاية فدخلت الأحساء تلقائيَّا في حوزة العثمانيين، فأسند راشد بن مغامس إدراة شؤون الحكم في الأحساء إلى ولده مانع، وكأن أهالي القطيف كانوا يتحينون الفرصة طويلاً كي يتخلصوا من هيمنة الإحتلال البرتغالي، فقاموا في سنة ٩٤٦هـ ١٥٣٩هـ بالثورة على والي البرتغاليين الهرمزي عبد الغفور بن عبد الرحيم، وأعلنوا انضماهم إلى أشقائهم الأحسائيين تحت حكم والي العثمانيين راشد بن مغامس، ولكن ولده مانعًا –على ما يبدو- كان غرًا طائشًا، ولم يكن يعرف ما بين القطيف والأحساء والبحرين من أواصر القربى، فقام بمحاولة غزو البحرين، مما أغضب أهالي الأحساء والقطيف، فثاروا عليه، فلم يتمكن من تحقيق غرضه فلجأ إلى البصرة، ويبدو أن أباه راشدًا أعاد ترتيب الأوضاع بتهدئة مشاعر الأهالي، فاستتب له الأمر إلى حين.
بعد خمس من السنين، أي في سنة ١٥٥٠م، وجد أهل القطيف فرصة أخرى للخلاص من حكم الأجنبي، فقاموا بطرد المعتمد الهرمزي المعين من قبل البرتغاليين، وأوفدوا أعيانهم إلى بغداد لطلب الحماية، من العثمانيين، فتخلصت البلد، مرة أخرى، من الاستعمار الأوروبي، لكن العثمانيين خيبوا الآمال بما مارسوه مع الأهالي من ظلم وجور، بما فرضوه من الضرائب والإتاوات، ومصادرة الأراضي، والأملاك حتى أنهم لم يستثنوا، من المصادرة، ميراث الميت الشيعي، فاعتبروا الميت من أهل القطيف مشركًا، أو كافرًا، مستحلاًّ ماله، مهدورًا دمه، مما حمل الناس على وقف عقاراتهم وبساتينهم حماية لها من المصادرة، ناهيك عن فرار كثير من الأهالي إلى البلدان المجاورة كالبصرة وأبي الخصيب، بالعراق، وأبي شهر والمحمرة، ولجنة وغيرها من المدن الإيرانية، وبسبب هذه الممارسات الظالمة شهدت المنطقة عمومًا، والقطيف بصورة خاصة، ثورات متلاحقة، شارك فيها حتى قادة الجند العثماني تضامنًا مع الأهالي، وفي أواخر القرن السادس عشر بلغ تعسف العثمانيين ذروته مما ألهب مشاعر العداء تجاههم، وفي ظل هذه الأوضاع المتردية ثار الأهالي، وفي طليعة الثوار قبيلة بني خالد، بقيادة زعيمهم الشيخ سعدون، فانضم إليه زعماء القطيف بقيادة عبد الله بن ناصر بن مقلد حتى استخلصوا الأحساء كلها من العثمانيين، ومن القطيف استخلصوا صفوى وحدها، بينما استطاع العثمانيون إحكام قبضتهم على القطيف وقراها بسبب الإمدادات العسكرية التي وصلتهم من البصرة وبغداد وشهرزور. وبسبب عنف المقاومة نزح عدد من أعيان القطيف ووجهائها إلى البحرين برفقة زعيمهم الأكبر عبد الله بن المقلد، وشاعرهم الشهير أبي البحر جعفر الخطي، وذلك في شهر ذي الحجة سنة ٩٩٩هـ، سبتمبر ١٥٩١م. وعلى ذات الوتيرة كان تعامل أهل القطيف مع ابراهيم باشا عندما غزاها، فطردوا قواته سنة ١٢٣٥هـ/ ١٨١٩م، أي بعد أقل من عام من سيطرته عليها سنة ١٢٣٣هـ/ ١٨١٨م.