البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٨٧
مفارقة الحياة لأجلها وإنما اختار الموت عند زهو الدنيا له وإقبالها عليه وعند نفوذ سلطانه وانتشار دينه وظهور أمره، ولنا أن نقول انه لم يمت كسائر الناس لان ملك الموت استأذن منه فأذن له وقال له امض لما أمرت ولم يستأذن على أحد قبله ولا يستأذن على أحد بعده ولان روح القدس جبرائيل كان يهبط عليه في مرضه كل يوم وليلة فيقرأه عن ربه السلام ويهون عليه ما يلقى تشريفا له وتكريما، ولما ورد في النقل عن أمير المؤمنين (ع) إنه قال (ولقد وليت غسله والملائكة أعواني فضجت الدار والأفنية ملأ يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هنيمة منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه)، وجاء من طريق آخر (إن الله تبارك وتعالى صلى عليه قبل دفنه ثم صلى عليه جبرائيل ثم ميكائيل ثم ملك الموت في جنود كثيرة من الملائكة) ولأنه (ع) مات ولم يترك درهما ولا دينار مع ما بلغه من القدرة والسلطان والفتوح والغزوات فلن ترى إذن أحداً مات كموت محمد (ص).
قال (صاحب الرسالة): أما يسوع المسيح ففي القرآن روايتان عن موته أولاهما قوله [إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي] وقوله [والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا] وثانيهما قوله [وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما].
أقول: الآية الأولى في سورة آل عمران والثانية في سورة مريم والثالثة في سورة النساء وهي صريحة في إن المسيح لم يقتل ولم يصلب وان الله رفعه إليه، والمفسرون على كثرتهم وتشعب آرائهم لم يختلفوا في ذلك وان اختلفوا في رفعه إلى الله هل هو إلى سمائه أو إلى محل كرامته وأما قوله تعالى [إني متوفيك] إلى أخره وقوله تعالى في المائدة [فلمّا توفيتني كنتَ أنتَ الرقّيب عليهم] فقيل إن المعنى إني أنا استوفي أجلك أي أعصمك من الكفار وأؤخرك إلى اجل كتبته لك فلا يكون موتك قتلا بأيديهم ولا صلبا، وقيل إني متوفيك من قولهم توفيت كذا واستوفيته أي أخذته تاما أو من قولهم توفيت منه كذا واستوفيته أي استلمته، وقيل متوفيك وفاة نوم من قوله تعالى [الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها] وقوله في سورة الأنعام [وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار] أي إني رافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف ولا فزع، وقيل متوفيك أي يميتك عند انقضاء أجلك ورافعك الآن حيا، وهذا القول لا يلائم قوله فلما توفيتني وقيل غير ذلك إلا أن الجميع متفقون على إن المراد بالوفاة معنى آخر شائع ومستعمل في العربية غير الموت وربما ينسب إلى شاذ من المفسرين إن الله أماته ثلاث ساعات وهو قول نادر لا معول عليه مع أطباق المفسرين على خلافه ومع ما روي عن النبي (ص) إن عيسى بن مريم لم يمت وانه راجع إليكم قبل يوم القيامة وما روي عن أهل بيت العصمة (ع) ولا يمكن أن يراد بالوفاة الموت ومن نزل عليه الوحي والقرآن وعرفه حق معرفته يقول انه لم يمت.
وأما الآية الثانية فلا دخل لها في المقام ويصح ان يقال مثلها بالنسبة إلى أي كائن من البشر وقد جاء في القران الشريف في حق يحيى بن زكريا قوله تعالى [وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا] والمعنى في الآيتين واحد أي سلامة وأمن له يوم ولد من عبث الشيطان به ويوم يموت من البلاء