البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٨

ومن أو لي العزم لم يصلب ولم يمت بل رفعه الله إليه حياً، ويعتقدون بالإنجيل الذي أوحاه الله تعالى إلى عيسى (ع) الذي لا وجود له الآن. نعم ربما توجد بعض آياته المنزلة في بعض إصحاحات الأناجيل المتداولة التي لم تكن كتب وحي والهام وإنما هي كتب قصص وسير ومع ذلك دخلها من التحريف والتبديل ما لم يبق فيها أدنى وثوق أو اعتماد وسيأتي إثبات ذلك ان شاء الله، والنصارى يخالفون المسلمين في جميع ذلك ويعتقدون بمسيح مصلوب صلبته اليهود بعد أن جرعوه أنواع الإهانات وانه صار فداء للأشرار، وان هذه الأناجيل الأربعة كتب وحي والهام إلهية وكذلك تختلف الأمتان في أمور كثيرة مهمة تتضح في مطاوي الفصول الآتية.

قال (صاحب الرسالة): إلَّا ان إخواننا المسلمين يختلفون عن النصارى باعتقادهم ان نبيا اسمه محمد جاء بعد المسيح، وانه خاتم الأنبياء واعظم المرسلين ودينه الحق وباتباعه دون غيره يحصل الخلاص.

أقول: نعم المسلمون يعتقدون بذلك عن برهان ودليل لاعن اقتداء وتقليد، ويعتقدون إن أديان الأنبياء كلها حق، وانه بأتباع كل منهم يحصل الخلاص وتوجد النجاة ولكن لكل دين اجل ولكل شريعة منتهى وغاية، فينسخ الدين بدين آخر، والشريعة بشريعة أخرى، والواجب اتباع الناسخ ورفع اليد عن المنسوخ إلَّا شريعة محمد (ص) ودينه فانه لا ينسخ ولا يبدل، وحلاله وحرامه حلال وحرام إلى يوم القيامة لأنه خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، وبعد بعثته فلا دين حق غير دينه ولا خلاص إلَّا بإتباعه.

قال (صاحب الرسالة): والمسيحيون ينكرون عليهم ذلك، ويقولون ان المسيح هو خاتم الأنبياء وأعظم منهم بما لا يقاس، وبه وحده الخلاص.

وأقول: إن المسيحيين لا يقتصرون على هذه الدعاوى ولا يقفون عند حدها، بل يغالون في مسيحهم ويؤلهونه ويعبدونه ويعتقدون فيه انه الرب و الإله، وأنه ابن الله وغير ذلك من عقائد المشركين والوثنيين ويا ليتهم اقتصروا على ما ذكره (صاحب الرسالة)، بل ليت صاحب هذا الكلام قد أقتصر عليه ووقف عنده ولم يصرح بما سيأتي في كلماته ولاسيما في آخر رسالته من أنه هو الله حامل خطايا العالم.

وأما دعوى ختم النبوة بالمسيح فهو خلاف ما صرح به مسيحهم في الإنجيل المنسوب إلى متي من الحواريين الإثنى عشر وهو أو ل ما بشر به بعد المسيح بثمانية أعوام على ما يدعون حيث قال لليهود (لذلك هاأنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبه) إلى قوله (الحق أقول لكم أن هذا كله يأتي على هذا الجيل) يعني أمة اليهود، فكيف أذن يدعى ختم النبوات وهو يصرح انه سيرسل أنبياء؟ ثم انهم يدعون إن الحواريين أنبياء نزل عليهم روح القدس وعلمهم أمور كثيرة، فكيف تلتئم هذه الدعوى مع دعوى إن الرؤيا والنبوة قد ختمت بالمسيح؟ وأما دعوى انه أعظم من جميع الأنبياء، فهي دعوى بلا برهان ولا تنافي دعوى نبوة محمد لو تمت لأنها هي نقطة الخلاف في الحقيقة. وإما إن به وحده الخلاص فان كان المراد انه بأتباعه والأخذ بأحكام شريعته قبل نسخها يحصل الخلاص ولا يحصل بغير ذلك فهو مسلم وثابت له ولجميع الأنبياء قبل نسخ شرائعهم لا للمسيح وحده وان كان المراد إن الخلاص به وحده حتى بعد بعثة