البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١٣٤
فان الخبر ورد بلفظ حسب المبني للمفعول أي إن الله حبب ذلك إليه فلم يكن ذلك باختياره للذائذ نفسه ونعيمها وقوله (ص) (من دنياكم دون من الدنيا أو من دنياي) دليل على إن استعماله لتلك الأمور ليس لدنياه والتلذذ بها بل لآخرته وان استعمالها بنية العبادة التي هي من أمور الآخرة كما نبّه على ذلك القاضي عياض ثم انك بعد الوقوف على ما أوقفناك عليه من نموذج حياة محمد (ص) وفهرس معيشته تعلم انه لا يصح أن يقال لمثل تلك الحياة والمعيشة إنها حياة شهوانية أو لمثل هذه المعيشة تكبد محمد تلك الأهوال وحمل تلك المصاعب وقاسى شدائد دعوى النبوة وقد كان بدون أن يتحمل شيئا مما عاناه قادرا على مثل تلك الحياة بل على خير منها لذاذة وشهوة بلا تكلف نصب ولا مخاطر بنفس ولا تعرض لهلاك ثم انه بعد أن دانت له العباد وخضعت له الرقاب وانقادت له الدنيا بأزمتها ألم يكن قادرا على اللذائذ والطيبات وسكنى القصور ومعانقة الحور فما باله إذا دنت الدنيا منه شبرا فرَّ عنها باعا وإذا زادت به انسا زاد منها نفورا وارتياعا ألم يكن له العذر الواسع في الاقتداء بمن سبقه من الأنبياء كداود وسليمان وفيما أوحى الله إليه من قوله تعالى [احل لكم الطيبات] أفبعد هذا يقال انه شهواني وهل يمكن ان يقال ان لامتناعه داعيا إلى سوى هذه وروحانيته واشتغاله بعبادة ربه وما هو اعلم به وما الذي ناله المسيح (ع) من السلطة والبسطة وطول العمر والمقدرة على الرفاهية في المعيشة حتى يقارن بينه وبين محمد الذي هو كأكبر الملوك والسلاطين وكأعظم القياصرة والأكاسرة في السطوة والاقتداء وانقياد الأمم وان عاش كمعيشة اقل الفقراء والمساكين أفمن