البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١٤٠

الدنيا التي هي كظل زائل وخيال باطل وهي من أعظم الحواجز عن العبادات الإسلامية والرهبانية المسيحية لا تدع للمرء فكرا في معاد ولا شغلا في دين تأخذ بمشاعره وتطبع على قلبه فلا يلتفت إلى السعادة الأبدية والحياة الباقية إن انهماكهم في تلك المخترعات والصنائع انهماك من لا طمع له في آخرة ولا رجاء له في معاد على إن ما وصلوا إليه من العلم الدنيوي لم يصلوا إليه بدينهم الروحاني ولا بعقيدتهم المسيحية إن تعاليم دينهم وطقوسها تأمر بالابتعاد عن الدنيا وزخارفها فليس بين دينهم وبين ما وصلوا أدنى علاقة أو ارتباط إنا نرى الرجل مسيحيا كان أو مسلما كلما ازداد تعلقا بالدين ازداد بعدا عن الدنيا وعن صنائعها وزخارفها على أن نرى أكثر أهل المعارف في أوربا ملحدين ماديين لا يركنون إلى دين ولا يتمسكون بكتاب، فبما إذن توصلوا إلى ذلك توصلوا بالجد والكد وكثرة المزاولة وحب الشهرة والثروة وشدة حاجة المنهمكين في الدنيا إلى تلك المخترعات (والحاجة أم الاختراع) ونشطهم على ذلك سلاطينهم وملوكهم الذين هم بمعزل عن الدين وأعانهم محبّوا الثروة وأرقاء الأطماع وعباد الأموال. والديانة الإسلامية وإن أمرت بالجد والاكتساب وندبت إلى ذلك بل ربما أوجبته في بعض الأحوال والظروف إلا إنها أمرت بذلك مع المحافظة على أمور الآخرة وجعل ذلك وسيلة لتسهيل نيلها كما ورد (الدنيا مزرعة الآخرة)، (واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا) على اظهر الوجهين، وفي خبر آخر، (أصلحوا دنياكم وأعملوا لآخرتكم)، وفي آخر (ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه بل خيركم من اخذ من هذه‌