البرهان المبين فيمن يجب اتباعة من المرسلين - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٣٠ - الفصل الأول في الولادة
قال (صاحب الرسالة): نعم انّ بعض المسلمين الجهال يروون عن ولادته حكايات غريبة وهي في الحقيقه مختلقة وملفقة وعقلائهم يوافقوننا على ذلك لانه لا يوجد في القرآن شيء يؤيدها أو يشير اليها.
أقول: الحكايات الغريبة عن ولادته رواها بعض علماء المسلمين وأفاضلهم وذكرها مؤرخوهم ونظمها شعرائهم المجيدون والحكم منه باختلاقها وتلفيقها قول بغير علم ودعوى بغير مستند وقد تقول على عقلائهم وافترى عليهم وأي فرق بين الأناجيل التي كتبها أصحاب المسيح والمنتمون إليه وبين الكتب التي كتبها أصحاب محمد وتابعوه والجميع تتضمن شرح سيرة كل من يسوع ومحمد وما جرى لهم من الحوادث والكائنات مع إن ما كتب أصحاب محمد أقرب عهدا وأكثر اتقانا وهو باق على النحو الذي صدر لم تغيره التراجم ولا تلاعبت به الأهواء والأغراض وأما عدم وجود شيء في القرآن الشريف يؤيدها أو يشير إليها فهو لا يدل على اختلاقها وتلفيقها لان القرآن المقدس لم ينزل بشرح جميع سيرة محمد وبيان سائر أطوار حياته ولم يذكر القرآن منها إلَّا ما له علاقة بالدين والشريعة والأخلاق والحكم وإلى ما يدل على فضيلة محمد وسمو مقامه وذكر القرآن ولادة عيسى من قبيل ذكره سائر الأمور الغيبية من قصص الأنبياء السالفين وذكر بعض شؤون حياتهم ووقوع أمثال تلك الأمور آية من آيات قدرة الله والأخبار بها من معجزات محمد ولا دلالة في غرابة الولادة على فضيلة المولود كما ستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله وبعد فما في الكتب السماوية والزبر الإلهية من البشارات والإشارات بميلاد محمد ونبوته كان في إتمام الحجةوإقامة البرهان لطالب الحقيقة ومبتغي الإيمان
قال (صاحب الرسالة): وأما ميلاد يسوع فكان بطريقة عجيبة غريبة ذكرها القرآن بقوله في سورة مريم [قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيا]. ولم ينكر أحد ما ذكره القرآن بغاية الصراحة من إن جبرائيل أرسل من قبل الله ليخبر مريم سلفا عن ولادة يسوع المسيح بدون أن يمسها رجل الأمر الخارق للعادة ونواميس الطبيعة.
أقول: الابتكار والشذوذ في الولادة والمولود والخلق والمخلوق كالخلق بدون أب وأم أو بدون أب أو بدون مباضعة وكالمخلوق ذا رأسين وكونها ذات أكثر من ثديين وغير ذلك من آيات الله الدالة على عظيم قدرته وعموم سلطانه، كما أنَّ سائر المخلوقات والمصنوعات التي ابتدعها وأبتكر خلقها على غير مثال آيات ودلالات [في خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون].
|
وفي كل شيء له آية |
تدل على أنه واحد |
|
ولا شك إن أمثال ذلك من الآيات التي تخرق العادة وتنقض نواميس الطبيعة ما دل على كمال القدرة وعمومها لسائر الممكنات لدلالته على عدم التقييد بنواميس الكون والسير على سننه وأنظمته، وان ما يرونه محالا وناقضا لما يتوهمونه من النواميس قد ظهر إمكانه بخلق آدم وحواء والمسيح وقد اهتدوا بهذا الأمر إلى مخلوقات كثيرة تتولد من غير تلقيح، ويقال لذلك التولد البكري وجوز بعضهم وقوع ذلك في الإنسان وغيره من الحيوانات الراقية، والعالم بعموم قدرة الله تعالى