تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤
و عشرين سنة، و حتي توفي السيد المعظم لخمس بقين من شهر ربيع الاول سنة ٤٣٦ ه فاستقل شيخ الطائفة بالامامة، و ظهر علي منصة الزعامة، و أصبح علماً للشيعة و مناراً للشريعة، و كانت داره في الكرخ مأوي الأمة، و مقصد الوفاد، يأتونها لحل المشاكل و إيضاح المسائل، و قد تقاطر اليه العلماء و الفضلاء للتلمذة عليه و الحضور تحت منبره و قصدوه من کل بلد و مكان، و بلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة، و من العامة ما لا يحصي كثرة.
و قد اعترف کل فرد من هؤلاء بعظمته و نبوغه، و كبر شخصيته و تقدمه علي من سواه، و بلغ الأمر من الاعتناء به و الإكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر اللّه- عبد اللّه- إبن القادر باللّه- أحمد- كرسي الكلام و الافادة، و قد کان لهذا الكرسي يومذاك عظمة و قدراً فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلا لمن برز في علومه، و تفوق علي أقرانه، و لم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدراً أو يفضل عليه علماً فكان هو المتعين لذلك الشرف.
هجرته الي النجف الأشرف:
لم يفتأ شيخ الطائفة إمام عصره و عزيز مصره، حتي ثارت القلاقل و حدثت الفتن بين الشيعة و السنة، و لم تزل تنجم و تخبو بين الفينة و الاخري، حتي اتسع نطاقها بأمر طغرل بيك أول ملوك السلجوقية فانه ورد بغداد في سنة ٤٤٧ ه و شن علي الشيعة حملة شعواء، و أمر بإحراق مكتبة الشيعة الّتي أنشأها ابو نصر سابور
- الوزير به و اعرض عنه فلامه بعض الحضور علي اهانته و احترام أخيه الرضي مع انه دونه في العلم و الفضل فعلل ذلک بما مر. هذا كله مما خلقه المغرضون و أنت تري ان انتقال الرياسة الدينية اليه في بغداد بذلك العصر يستلزم الكرم و الجود الفائتين، کما ان مما لا شك فيه انه کان يعول بجماعة من تلامذته- غير الشيخ الطوسي- أن لم يعل بالجميع، و يبذل لهم ما کان يبذل له و قد ذكر الشيخ البهائي في «الكشكول» ما کان يجريه المرتضي للشيخ الطوسي و قال بعده: و لأبي البراج کل شهر ثمانية دنانير الخ. و قد تصدي لرد مثل هذه المختلفات ولدنا الدكتور عبد الرزاق محي الدين في كتابه «أدب السيد المرتضي» ألذي قال به شهادة الدكتوراه في الأدب من القاهرة، و ألذي عرضه علينا بعد عودته الي العراق فراقنا كثيراً و كتبنا عليه تقريظا.