تفسير التبيان

تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣

خدمته‌-‌ و ‌ان‌ ‌کان‌ ‌في‌ غني‌ً ‌عن‌ ‌ذلک‌-‌ و حسبه‌ ذخراً يوم العرض‌ شهادة امير المؤمنين‌ ‌عليه‌ ‌السلام‌: بأنه‌ ‌لم‌ يقصد بتأليف‌ الكتاب‌ ‌غير‌ وجه‌ اللّه‌. و لمثل‌ ‌هذا‌ فليعمل‌ العاملون‌ ‌ان‌ اللّه‌ ‌مع‌ ‌الّذين‌ اتقوا و ‌الّذين‌ ‌هم‌ محسنون‌.

و مما يجدر بالذكر إننا نستفيد ‌من‌ ‌هذه‌ الواقعة أمرين‌ ‌لم‌ يصرح‌ بهما شيخنا النوري‌-‌ عطر اللّه‌ مثواه‌-‌.

الأول‌: ‌إن‌ معارضي‌ الشيخ‌ ‌لم‌ يكن‌ ‌لهم‌ معه‌ غرض‌ شخصي‌ ‌في‌ تخطئته‌ و نقده‌ و انما اختلفوا معه‌ ‌في‌ بعض‌ الآراء الفقهية فظنوا انه‌ مخطأ، و ‌ان‌ فتاويه‌ ‌غير‌ مرضية عند آل‌ ‌محمّد‌ ‌عليه‌ و ‌عليهم‌ ‌السلام‌. و ‌لم‌ يكن‌ ‌ذلک‌ ‌إلا‌ غيرة ‌علي‌ الدين‌، و تحمساً ‌له‌، و تحفظاً ‌من‌ وقوع‌ الخطأ ‌فيه‌، و لذلك‌ لجئوا ‌الي‌ الامام‌ ‌عليه‌ ‌السلام‌ مستفسرين‌ ‌منه‌ ‌عن‌ وقع‌ ‌ذلک‌ ‌في‌ نفسه‌، فأجابهم‌ ‌عليه‌ ‌السلام‌ بالرضا و القبول‌ فسروا و اطمأنوا و غبطوا شيخ‌ الطائفة ‌علي‌ توفيقه‌، ‌کما‌ تدل‌ ‌عليه‌ عبارة: و قاموا متفرقين‌ مغتبطين‌ الخ‌.

الثاني‌:‌-‌ و ‌هو‌ أهم‌ ‌من‌ سابقه‌-‌ إنهم‌ كانوا ‌علي‌ بصيرة ‌من‌ أمرهم‌، و اطمئنان‌ ‌من‌ أنفسهم‌، و كانوا يشعرون‌ برضي‌ أئمتهم‌ ‌عليهم‌ ‌السلام‌ عنهم‌، و يرون‌ أنفسهم‌ عبيداً و خدماً لمواليهم‌، و ليس‌ ‌علي‌ العبد ‌إذا‌ أراد المثول‌ ‌بين‌ يدي‌ مولاه‌ ‌إلا‌ ‌أن‌ ‌يکون‌ ‌علي‌ نحو يرضيه‌ و شكل‌ يبتغيه‌، و ‌أن‌ ‌يکون‌ ممتثلًا لأوامره‌ مبتعداً ‌عن‌ نواهيه‌، و اذاً فأي‌ مانع‌ ‌من‌ وصوله‌ ‌الي‌ حضرة مولاه‌، و تشرفه‌ بخدمته‌!.

و أنت‌ تري‌ ‌ان‌ هؤلاء المشايخ‌ رضوان‌ اللّه‌ ‌عليهم‌، ‌لما‌ عسر ‌عليهم‌ فهم‌ ‌هذا‌ الامر و انغلقت‌ ‌في‌ وجوههم‌ أبواب‌ الرجاء و الأمل‌، لجئوا ‌الي‌ مواجهة الامام‌ ‌عليه‌ ‌السلام‌ و ‌لم‌ تكن‌ مقدماتهم‌ لذلك‌ سوي‌ بعض‌ الآداب‌ الشرعية المرعية ‌من‌ الصوم‌ و الوضوء و الدعاء و الرجاء، فلو علم‌ هؤلاء بتقصير ‌لهم‌، ‌أو‌ شعروا بتخلفهم‌ ‌عن‌ بعض‌ أوامره‌، ‌لما‌ جسروا ‌علي‌ طلب‌ مواجهته‌ و مقابلته‌، و بهذا و غيره‌ أعلمنا قدماؤنا رضوان‌ اللّه‌ ‌عليهم‌ أنهم‌ كانوا ‌في‌ غاية الالتزام‌ بالتكاليف‌ الشرعية كبيرة و صغيرة، و ‌في‌ غاية البعد ‌عن‌ ‌کل‌ دنية ‌حتي‌ المكروه‌ و المباح‌، و ‌قد‌ وعظونا بأعمالهم‌ اكثر مما وعظونا بأقوالهم‌ فيجب‌ علينا اتباعهم‌ و السير ‌علي‌ الخطي‌ ‌الّتي‌ رسموها لنا و الطرق‌ ‌الّتي‌ سنوها