تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥
سوي ما أهدي منها الي الرؤساء کما صرح به کل من ترجم له، و ذلک أحد وجوه تلقيبه بالثمانيني.
نعم کان شيخ الطائفة متمكناً من هاتين الخزانتين العظيمتين، و كأن اللّه ألهمه الأخذ بحظه منهما قبل فوات الفرصة، فقد اغتنمها أجزل اللّه أجره، و غربل كوم الكتب فأخذ منها حاجته و ظفر فيها بضالته المنشودة، و ألف كتابيه الجليلين (التهذيب) و (الاستبصار) اللذين هما من الكتب الأربعة، و المجاميع الحديثية الّتي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر مؤلفه حتي اليوم، و ألف أيضاً غيرهما من مهام الأسفار قبل ان يحدث شيء مما ذكرنا، و كذا غيره من الحجج فقد أجهدوا نفوسهم و تفننوا في حفظ تراث آل محمّد عليه و عليهم السلام، فكان لهم بحمد اللّه ما أرادوا.
و هكذا استقي شيخ الطائفة مادة مؤلفاته من تصانيف القدماء، و كتب في كافة العلوم من الفقه و أصوله، و الكلام و التفسير، و الحديث و الرجال، و الأدعية و العبادات، و غيرها، و كانت و لم تزل مؤلفاته في کل علم من العلوم مآخذ علوم الدين بأنوارها يستضيئون و منها يقتبسون و عليها يعتمدون.
و لهذه الناحية فان لشيخ الطائفة علي الشيعة حقاً لا ينكر و فضلًا لا يستر، علي أن جمعاً من علماء الشيعة القدماء عملوا ما عمله، فان الشيخين الكليني و الصدوق ألفا (الكافي) و (من لا يحضره الفقيه) اللذين هما من الكتب الأربعة أيضاً، و كذا غيرهما من الأقطاب، و إنا لا ننكر فضلهم بل نشكرهم علي حسن صنيعهم و نقدر مجهودهم و نسأل اللّه لهم الأجر و الثواب الجزيل، إلا انه لا بد لنا من الاعتراف بان شيخ الطائفة بمفرده قام بما لا تقوم به الجماعة، و نهض بأعباء ثقيلة لم يكن من السهل علي غيره النهوض بها لو لا العناية الربانية الّتي شدت عضده، فان الغير ممن أجهد نفسه الكريمة فكتب و ألف قد خص موضوعاً واحداً كالفقه أو الحديث أو الدعاء أو غير ذلک بينما لم يدع شيخ الطائفة باباً إلا طرقه، و لا طريقاً إلا سلكها، و قد ترك لنا نتاجاً طيباً متنوعاً غذَّي عقول فطاحل عدة قرون و أجيال.