نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٧٧ - موكب القامات
كتاب (جلاء العيون) أن زين العابدين عليه السلام كان إذا أخذ إناء ليشر يبكي حتى يملأه دماً[٨٦].
وهذا بظاهره من غرائب الأخبار، فإن العيون لا تسيل دموعها دماً، ولذلك كنت أحتمل وقوع التحريف فيه، وأن الصحيح: (دمعاً) بدل (دماً)، لكني وجدت المخطوط والمطبوع من الجلاء وغيره كما هو مروي فيه.
وعليه، فأقرب توجيهاته أن يقال: إن العيون وإن لم تبكِ دماً، لكنها لكثرة البكاء والاحتراق تتقرح أجفانها، فإذا اشتد البكاء تنفجر القروح دماً يمتزج بالدموع، فهو إذا سال في الإناء يسيل كأنه دم، ويصدق حينئذ أن يقال: (يملأ الإناء دماً)[٨٧].
وإذا ساغ للسجاد عليه السلام أن يسيل الدم باختياره من عضو من أعضائه، ببكاء الدم أو بتقريح الجفن، جزعاً وهلعاً على رزية الحسين عليه السلام، فما هو إذاً شأن ما يصدر من الشيعة من ضرب السلاسل والقامات؟!.
[٨٦] يراجع البحار جلاء العيون.
[٨٧] ما الغرابة في ذلك؟! فالطب يؤكد أن الدمع بسبب إفرازات الغدد الدمعية الموجودة في العين، فأي تحسس بالحزن وأحياناً بالفرح ــ أي في حالتي البكاء والضحك ــ يوعز الدماغ إلى هذه الغدد بالإفراز، والدم هو مصدر هذه المادة الدمعية يتحول بفعل فسلجي في هذه الغدد إلى دمع، فأي إجهاد يصيب هذه الغدد وكثرة لإفراز غير طبيعي يؤدي على نضوب هذه المادة الدمعية لتحال إلى دم فقط، وهذا في كل غدد الجسم، إذا المواد السائلة مصدرها الدم، فأي نضوب في أي سائل يتحول السائل عند ذلك إلى دم، كما في حالة نضوب الحليب من الثدي، فيخرج الدم بدل الحليب، وهكذا الحال في الدمع، وبما أنه لا يمكن وصف كثرة بكاء الإمام زين العابدين عليه السلام على أبيه والطاهرين من آل بيته وأصحابه، ولابد أن تكون النتيجة بما وصفه المؤرخون أن يمتلئ الإناء دماً.