نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٨٧ - نظرة في التأريخ
أنا الآن أذكر لك نبذة تاريخية تعرف منها الزمن الذي ظهرت فيه المآتم بلا اتقاء، وحدثت فيه المواكب والتمثيل بنفوذ ملوك الجعفرية وعلمائهم.
فبالرغم من حث الأئمة عليهم السلام على التذكارات الحسينية ما كان ينعقد فيها من المآتم، إلا نحو ما كانوا يعقدونه في دورهم، يحضره - لضرب من الاتفاق - مثل أبي هارون المكفوف، وأبي عمارة المنشد، وجعفر بن عفان، وأضرابهم[١٠٤]، لأن بني أمية
[١٠٤] أبو هارون المكفوف وأبو عمارة المنشد وجعفر بن عفان، هؤلاء الثلاثة شعراء منشدون، وكان للإنشاد أهميته في زمن الأئمة عليهم السلام، فهم ينشدون قصائد شعراء معروفين، فضلاً عما تجود به قريحتهم.
وهكذا ترعرع الإنشاد تحت ظل الأئمة عليهم السلام وبرعايتهم، والمنشدون اليوم ــ والذي نطلق عليهم الرواديد ــ يشكلون معلماً مهماً من معالم الشعائر الحسينية لتحريك العواطف وتهييج الوجدانيات لقضية الحسين عليه السلام. نسأل من الله تعالى لهم التوفيق، ومن الأمة الاهتمام بهم وتكريمهم بما ينبغي.
أما أبو هارون المكفوف هو موسى بن عمير الكوفي مولى آل جعدة، ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام تارة بعنوان موسى بن عمير أبو هارون المكفوف، وتارة بعنوان موسى بن أبي عمير أبو هارون المكفوف... عن أبي هارون المكفوف قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا هارون أنشدني في الحسين عليه السلام، فأنشدته، فقال لي: أنشدني كما ينشدون ــ يعني بالرقة ــ فأنشدته..
مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصات
فبكى، ثم قال: زدني، فأنشدته القصيدة الأخرى فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر. راجع أعيان الشيعة ج١٠ ص١٩٣.
وأما جعفر بن عفان فهو أبو عبد الله جعفر بن عفان الطائي، توفي في حدود سنة ١٥٠ هـ.
عن زيد الشحام قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة من الكوفيين، فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله عليه السلام، فقربه وأدناه، ثم قال: يا جعفر، قال: لبيك جعلني الله فداك، قال: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين عليه السالم وتجيد، فقال له: نعم، جعلني الله فداك، فقال: قل، فأنشده عليه السلام ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته.
وروى أبو الفرج في (الأغاني) بإسناده عن محمد بن يحيى بن أبي مرة التغلبي، قال: مررت بجعفر بن عفان الطائي فرأيته على باب منزله، فسلّمت عليه، فقال: مرحباً بك يا أخا تغلب، اجلس، فجلست إليه، فقال: ألا تعجب من مروان بن أبي حفصة حيث يقول:
أنّى يكون وليس ذاك بكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام
فقلت: والله إني لأتعجب منه وأكثر لعنه لذلك، فهل قلت في ذلك شيئاً؟ فقال: نعم، قلت فيه:
لِمَ لا يكون وإن ذاك لكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام
للبنت نصف كامل من ماله *** والعم متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث وإنما *** صلى الطليق مخافة الصمصام
انظر: أعيان الشيعة ج٦ ص١٨٦.