نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٦٦ - موكب لدم الصدور
إن منى في تلك الأيام هي أعظم المجامع لطوائف المسلمين القاصدين إلى مكة من كل فجّ، فلماذا اختار ندبته فيها؟! وهلاّ أوصى أن يندب في بيته، أو في ميدان واسع في المدينة، أو في البقيع، حيث محل قبره؟! ألست تعتقد أنه يرمز بذلك إلى تنبيه الناس على فضائله وإظهارها، وليتذكر أولياؤه والعارفون به ما جرى عليه، ومن مجموع ذلك تثبت عقائدهم، ويدوم ذكره الجميل فيما بينهم؟!.
قال شيخنا الشهيد الأول محمد بن مكي[٧١] في كتابه (ذكرى الشيعة) بعد إيراد الخبر المزبور: (والمراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها، ليقتدى بها، ويعلم الناس ما كان عليه أهل البيت، فتقتفى آثارهم). انتهى.
فانظر متأملاً إلى آخر كلامه هذا، الذي يريد به أن ندبته بتلك المجامع سبب لظهور التشيع في الناس، لارتفاع الاتقاء عليه بعد موته (سلام الله عليه).
ومن هذا نعرف أن النوادي الخاصة محل عزاء من لا شرف له كالحسين عليه السلام وأبنائه، ولا فضل له ولا قرب كفضلهم وقربهم، ولا مظلومية له كمظلوميتهم،
[٧١] محمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول قدس سره، شيخ الطائفة وعلامة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، من أجلاّء هذه الطائفة وثقاتها، نقي الكلام، جيد التصانيف... كانت وفاته سنة سبعمائة وست وثمانين اليوم التاسع من جمادى الأولى، قتل بالسيف، ثم صلب، ثم رجم، ثم أحرق بدمشق في دولة بيدر وسلطنة برقوق، بفتوى القاضي برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي، بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام.
وفي الحبس ألف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام، وما كان يحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع.
وكان سبب حبسه وقتله أنه وشى به رجل من أعدائه، وكتب محضراً يشمل على مقالات شنيعة عند العامة، من مقالات الشيعة وغيرهم، وشهد بذلك جماعة كثيرة، وكتبوا عليه شهاداتهم، وثبت ذلك عند قاضي صيدا، ثم أتوا به إلى قاضي الشام فحبس سنة، ثم أفتى الشافعي بتوبته والمالكي بقتله، فتوقف من التوبة خوفاً من أن يثبت عليه الذنب، وأنكر ما نسبوه إليه. انظر تنقيح المقال في أحوال الرجال للشيخ عبد الله المامقاني ج٣ ص١٩٢ الطبعة الحجرية.