نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٤٠ - التمثيل
عدّ البعض مراسم البعض الآخر ضرباً من الجنون والتوحّش[٣٩]، وهذا لا يقتضي رفض الرسم الديني أو المذهبي أو غيرهما بين أهله، لاسيما مثل التمثيل الذي تجتني الشيعة من فوائده ما لا تجتنيه في إقامة المآتم المجردة عن التمثيل والتشبيه.
ولعمري ما استهزاء الأجانب به إلاّ كاستهزاء قريش وسائر مشركي العرب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، التي لم يعرفوا أسرارها، ولم يذوقوا ثمارها، أفهل كان يلزمه أن يتركها، وهي من شعائر دينه[٤٠]؟!.
[٣٩] ماذا لو أدرك المؤلف (رضوان الله عليه) ما تبثّه بعض القنوات الفضائية من الأعمال الوحشية التي لا تمتّ إلى الإنسانية بصلة، فقد أظهرت بعض الفضائيات استعراضاً رياضياً يظهر قوة المتصارعين، حيث يتشابكون بالأيدي ويلكمون الوجوه حتى تسيل الدماء، ويتعرض ــ كما يذكر التقرير ــ بعض الأشخاص إلى الموت في كل عام من خلال هذا المهرجان السنوي الذي تقيمه بعض البلدان، وهذا غير الملاكمة والمصارعة وأمثالهما.
أضف إلى ذلك ما يمارسه الأسبانيون من مصارعة الثيران حتى يودي بحياة هذا الحيوان البريء، أو إصابة أحد المشاركين، بعنوان رياضة مصارعة الثيران، ولم يعترض على ذلك أحد، بحجة أن ذلك أحد مراسم هذه البلدان.
أضف إلى ما يقام من مهرجانات رمي الطماطم أو البرتقال حتى تذهب آلاف الأطنان هدراً في دول تدّعي التحضر وتنادي بحقوق الإنسان، وهم على مسمع ومرأى من موت العشرات نتيجة الجوع والفقر الذي يدبّ أنحاء المعمورة.
كل هذا ولم يعترض شيعة أهل البيت عليهم السلام على مثل هذا المراسم، تأدباً منهم، واحتراماً لمشاعر الآخر، ويرون أن هذه المراسم تنطلق من ثقافة الممارس لها، في حين تجد المراسم الحسينية الهادفة حملةً ظالمة تُشنّ من بعض المشدّقين لا همّ لهم إلا الصراخ والتهريج ضدها.
ومن المؤسف أن يكون ذلك من داخلنا الشيعي الذي لا يمتلك هؤلاء سوى همجية التقليد والتسويق لبضاعة الآخرين مجاناً.
[٤٠] ومعنى ذلك أننا لو أردنا مراعاة ذوق الآخرين في مسألة الشعائر لراعيناهم في كل عباداتنا، ولابد أن نستذكر ما كان يعانيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من استهزاء المشركين بجميع عباداته، كصلاته وحجه وصومه، إلى غير ذلك من العبادات التي لا يستسيغها المشركون، فهل يسوغ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تركها مراعاة لأذواق قومه؟ فما بالنا تشيع حالة الإحباط بيننا بحجة أن هؤلاء القوم لا يستسيغون كل هذه الشعائر؟
ولو أردنا مداراة الأذواق والنّزْعات لخرجنا عن كل ما كنا مأمورين به من عبادة وتقرب إلى الله تعالى، في حين نجد أن الآخر لم يكن مراعياً لمشاعرنا ومقدساتنا وفطرتنا، فما بالنا ــ إذن ــ نكون مشروعاً للتنازل على حساب مبادئنا وعقائدنا تحت عناوين (الوحدة الإسلامية)؟! وهل الوحدة في منظور هؤلاء هي التنازل عن مبتنياتنا العقائدية؟!