نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٢٩ - بسم الله الرحمن الرحيم
لاسيما إذا احتمل كون تركه في الزمن الأقدم لعدم إمكان إقامته اتّقاءً.
لا شك أن إظهار الحزن ومظلومية سيّد الشهداء عليه السلام، والإبكاء عليه وإحياء أمره بسنخه عبادة في المذهب، لا بشخص خاص منه، ضرورة أنه لم ترد في الشريعة كيفية خاصة للحزن والإبكاء وإحياء الذكر المأمور بها، ليقتصر عليها الحزين في حزنه، والمحيي لأمرهم في إحيائه، والمبكي في إبكائه[٣٥].
وإذا كان سنخ الشيء عبادة ومندوباً إليه، سرت مشروعيته إلى جميع أفراده من جهة الفردية، ولذلك لم نر أحداً من صلحاء الشيعة وعلمائهم، ولم يؤثر ولم يُنقل عن أحد منهم في الأجيال السالفة، من لا يعد التمثيل مثل قراءة كتاب المقتل في عباديّته وفي كونه مبكياً ومحزناً، فضلاً عن إنكار مشروعيته.
إن الذين أدخلوا التمثل في التذكارات الحسينية لا شك أنهم من كبراء رجال أهل الدين المفكرين، وأرباب السلطة المتّبعة من الشيعة، ولذلك يظن البعض أنه انتشر في بلدان الشيعة من قبل سياسة السلاطين الصفوية[٣٦]، الذين هم أول سلسلة استولت
[٣٥] لم يحدد أهل البيت عليهم السلام صيغة خاصة لإحياء أمرهم أو الاقتصار على فرد خاص، بل تكروا ذلك بما يقتضيه العرف من تحقق هذا الإحياء، وتركوا حرية الاختيار موكولة إلى اجتهادات المكلف في إحياء الأمر بها يتناسب والواقع الخارجي، فعموم قولهم عليهم السلام: «أحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيى أمرنا» يبيح اختيار صيغة الإحياء وكيفيته للإطلاق، كما هو ظاهر.
[٣٦] الدولة الصفوية نسبة إلى صفي الدين الأردبيلي، وهو أحد مشايخ الطريقة الصفوية التي تميل إلى الصوفية، وكانت لحركات الشيخ جنيد الصفوي والشيخ حيدر وغيرهما الأثر في ترويج الحركة الصفوية، حتى تم الإعلان عن الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل بن الشيخ حيدر عام ٩٠٥هـ، والدولة الصفوية حقيقتها منعطفاً خطيراً في الوضع السياسي الإيراني وكذلك الاجتماعي والعقائدي، فعلى المستوى السياسي تحررت إيران من الحكم المغولي التيموري، واستقلت بالحكم الصفوي الذي يتزعمه سلسلة من العائلة الصفوية المنتسبة للإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وعلى المستوى الاجتماعي انتجت الدولة الصفوية حالة من التماسك الاجتماعي، بعد أن كانت إيران مقطعة الأوصال، نتيجة لحركات سياسية، أهمها حركة فضل الله الحروقي سنة ٨٠٥هـ، وحركة نعمة الله الولي سنة ٧٣١هـ، التي قضت عليها الدولة التيمورية، وحاولت هذه الحركات أن تتزعم الدولة سياسياً، إلا أنها لم تنجح في الاستيلاء على الزعامة السياسية، وكان لهذا الصراع أثره في تشتت الوضع الاجتماعي، إلا أن قيام الدولة الصفوية أسهم في عودة اللحمة الاجتماعية الإيرانية، وبدّد مطامع التوسعيين العثمانيين الذين كان لهم طموحهم التوسعي على حساب البلدان الإسلامية.
أما على المستوى الفكري فلعلّ الدولة الصفوية أدخلت في مفاهيمها دور عقيدة أهل البيت عليهم السلام في النظامين السياسي والاجتماعي، وحاولت إلغاء حقبة طويلة من التراكمات الفكرية المناوئة لأهل البيت عليهم السلام، فاستبدلت المجتمعات الإيرانية ثقافاتها بثقافة أهل البيت عليهم السلام، فاستبدلت المجتمعات الإيرانية ثقافاتها أهل البيت عليهم السلام، وطمحت أن تكون لهذه الثقافة الأولية في جميع برامجها.
من هنا حاول البعض أن يلصق ثقافة الشعائر بالفكر الصفوي، وأن الدولة الصفوية لها الدور الكبير في توطيد هذه الصلة الشعبية بالشعائر الحسينية، إلا أن الواقع هو أن الشعائر الحسينية عربية الهوية، عراقية المنشأ، لكنها كانت مغيّبة بسبب الحكم العباسي الذي أطاح بكل هذه المراسم، وأعلنت بشكلها الرسمي في منتصف القرن الرابع، بأمر من معز الدولة، فالتأريخ يحدثنا أن معز الدولة كان حكمه معروف بالانفتاح على هذه الشعائر، وتحريض الناس على إقامتها في بغداد علناً.
ففي أحداث سنة ٣٥٢هـ، يحدثنا ابن الأثير في كامله بقوله: «في هذه السنة عاشر محرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق البيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي (رضي الله عنه)، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنية قدرة على المنع منه، لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم». الكامل في التأريخ لابن الأثير ج٧ ص٧.
وفي تأريخ الإسلام: «وهذا أول يوم نيح عليه ــ أي الحسين عليه السلام ــ ببغداد».
وأحسب أن هذا أول إعلان عن الشعائر الحسينية في بغداد، ولعلها كانت من قبل، إلا أنها بشكل خفي، فإذا كان إعلان الشعائر سنة ٣٥٢ للهجرة والدولة الصفوية كان تأسيسها سنة ٩٠٥هـ، فكيف تكون الشعائر أطلقت في أيام الصفويين؟
الواقع أن الصفويين أخذوا هذه الشعائر من شيعة العراق، فكانت الشعائر عربية الهوية عراقية المنشأ.
ولعل المؤلف (رضوان الله عليه) أراد أن يجاري ما هو الشائع أو المرتكز في أذهان البعض، أو قصد أن سبب انتشار الشعائر بهذه القوة هو السياسة الصفوية، التي جعلت مذهب أهل البيت عليهم السلام أساساً لدولتهم وعنواناً لكيانهم.