نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٢٨ - بسم الله الرحمن الرحيم
الشهداء لدى العموم، وباطناً اتفاق كلمة الشيعة، وحفظ عقائدهم عن الاندراس على مرور الأزمان، فلا ريب أن تمثيل الواقعة لحاسة البصر، بما يصدر فيها من حركة وسكون، قول وفعل، أبلغ في إظهار مظلومية ذلك الشهيد الأعظم من الأقوال المجرّدة على المنابر وفي المجامع، وأدخل في تثبيت العقائد، وإحكام الروابط بين أفراد الجعفرية.
إذا كانت الفرقة الجعفرية تذكّر في المآتم وعلى المنابر المصائب التي وردت على الحسين عليه السلام، ونصب أعينها الأحاديث المرغّبة في البكاء عليه والحزن لأجله، فتمثيل تلك المصائب للأنظار له تأثير عظيم في القلوب، لأنه يجعل العام والخاص من الجعفرية راسخ العقيدة ثابت اليقين.
لاشك أن الجعفرية في تمثيلها للفادحة الحسينية تصيب من جهة إحياء أمر الأئمة عليهم السلام، وهذا هو السبب الوحيد لتسليم الحسين عليه السلام نفسه للقتل، ومن جهة أخرى يحصل لهم ولغيرهم تحزين الطبايع، وإبكاء النواظر، وإثارة العواطف الرقيقة نحو المصاب بتلك الفادحة الكبرى، ورفع الستار عن فضايح الظالمين وأتباعهم.
التمثيل وإن لم يكن قديماً عند الشيعة، بل هو حادث منذ عدة قرون، ولكن ليس كل حادث في المذهب لا يكون معمولاً به.
الحادث إذا كان مفيداً فائدة القديم المشروع بوجه أتم وأبلغ، كان مشروعاً[٣٤]،
[٣٤] أي أن مصلحة الشارع لا تتعلق بموضوع بعينه، بل كل موضوع في الخارج يحقق إرادة الشارع فهو المطلوب الذي تقتضيه عمومات الأدلة في الحث على تحقيق إرادته، كما لو علم العبد أن المولى يريد من أمره بإطعام زيد إكرامه، من دون أن تكون خصوصية للإطعام، لكن كل فعل فيه إكرام لزيد ــ وإن لم يكن إطعاماً ــ محبوباً ومطلوباً للمولى، إذ علة الحكم هو الإكرام لا الإطعام.
وهكذا المقام، فإن معرفة علة الحكم يبيح تعدد أفراد المأمور به خارجاً تبعاً لمقتضيات الموضوع. وبمعنى آخر أن الحادث لا يمنع من تحقق إرادة الشارع عند تعدد أفراده لعدم اقتصار هذه الإرادة على فرد واحد، وهو إقامة المأتم، خصوصاً إذا علمنا أن الغرض هو شد الناس بمصيبة سيد الشهداء عليه السلام، فيكون التمثيل وغيره من هذه الأفراد مطلوباً لدى الشارع المقدس، كما هو معلوم.