نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٢٧ - بسم الله الرحمن الرحيم
بهاتيك الأخبار، لزمك الالتزام بوجوبها كفاية[٣٢]، ووجوب كلما يفيد مفادها كذلك، من تمثيل الفاجعة لحاسة البصر، أو سير مواكب الرجال في الأزقّة والشوارع مذكّرة بها، ولم تحتج بعد تلك الفائدة الملموسة باليد إلى نضد الأدلة على مشروعيتها، إذ أنها - بهذا البيان الذي يشهد به الوجدان - أجلّ من أن ريتاب مريب في رجحانها، بل وجوبها كفاية.
وإن أقربها علاقة وشبهاً بالمآتم (التمثيل)، فإن من سبر غوره، وتعمّق بالغوص على سرّه، يعلم أن فيه من النّكت ما ليس في إقامة المآتم المجردة عنه.
إذا كان السرّ في إقامة المآتم[٣٣] والغرض منها - ظاهراً - إظهار مظلومية سيّد
[٣٢] أي بعد ثبوت ضرورة القيام بهذه الشعائر الحسينية فقد ثبت وجوبها كفايةً على أتباع أهل البيت عليهم السلام، علماً أن الواجب الكفائي مأخوذ فيه المتعلق وليس الموضوع، وهو المكلف، فعناية الشارع المقدس في صرف وجود المأمور به وهو الشعائر، وليس في موضوع الحكم وهوالمكلف.
لكن المقام يقتضي ــ كما هو الظاهر ــ أن العناية متوجهة كذلك لموضوع الحكم وهو المكلف، وذلك للمصلحة التي تقدمت الإشارة إليها في كلام الماتن (رضوان الله عليه) بقوله: «فكأنهم عليهم السلام رأوا أن تلك التذكارات الحسينية هي التي توجب بقاء الناس على مرور الأزمان على الاعتقاد بإمامتهم ووافر فضلهم وعصمتهم، ومظلوميتهم من الخلفاء في كل عصر من أعصارهم، وذلك روح التشيّع».
فكأن التكليف هنا تكليف بالعموم الاستغراقي، أي على كل فردٍ كانت عناية الأئمة عليهم السلام ودأبهم على إبقاء الناس بالاعتقاد بإمامتهم، وليس المطلوب صرف الاعتقاد حتى يقال: إن المقام يقتضي وجوباً كفائياً، بل عمل الأئمة عليهم السلام وحرصهم على ارتباط أتباعهم بهم عن طريق هذه الشعائر يقتضي أن يكون الواجب عينياً بعمومه الاستغراقي على كل فرد من أفراد المكلفين.
نعم يبقى الاستثناء قائماً على حاله، ووارداً مورد الضرورة للمكلف غير القادر على إقامتها من نحو المانع العرفي أو الشرعي أو أي محتمل من محتملات الضرورة أو عدم القدرة.
[٣٣] من هنا يبدأ المؤلف في تعدد فوائد التمثيل وإثبات ضرورته من خلال ما يذكره لاحقاً.
وخلاصته أن التمثيل أبلغ في تقريب الواقعة إلى الأذهان؛ لأنّ هذه المشاهد تهيمن على حواس الإنسان ووجدانه، وتجيش عواطفه وانشداده نحو فاجعة الطف، في حين تبقى المآتم مرهونة على حِنكة الخطيب، فتقريب الفاجعة وتصوير مواطن الألم التي مر بها أهل البيت عليهم السلام موقوفة على ما تقدمه مواكب الشبيه التي سعى الشيعة لإقامتها.