نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٢٥ - بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الشيعة[٣٠]، ورسوخ عقائدهم، وبقاء ذكر الجميل بكل معانيه للأئمة فيما بينهم، وتلك نكتة مستورة عن جميع المسلمين، حتى عن الشيعة أنفسهم، فإنهم لا يتصوّرون هذه الفائدة من عملهم، بل قصدهم الثواب الأخروي فقط، لكن لما أن كل عمل لابد أن يظهر له - بطبيعته - أثر، فهذه المجالس بما يحدث فيها من إظهار مظلومية آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم تؤثر تلك الثمرات للشيعة من حيث لا يشعرون.
إليك فانظر ماذا يضرّ المتوكل العباسي، في كونه ملكاً وخليفة من ولد العباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من أن طائفة من المسلمين تزور قبر الحسين عليه السلام، وهو ابن عمه، حتى يمنع عن زيارته، ويوجّه إليه الفعلة بأمرهم بحرثه، وإجراء الماء عليه[٣١]؟ وما دخل ذلك في الملك والسلطان؟ لولا أنه قد أدرك أن الرابطة الحسينية
[٣٠] فعلاً، إن من ثمرات هذه الشعائر هو ارتباط الشيعة فيما بينهم واجتماعهم، على الرغم من تشتتهم وقهرهم، لذا فإنك ترى في المصداق الخارجي انطباق هذا المفهوم وغيره، إذ من المعلوم أن تشتت الشيعة في البلدان وفي كل نحاء العالم بسبب النظام الصدامي الجائر أوجد في شعائر أهل البيت حلقة الاتصال بين الجميع، فكانت هذه المجالس تجمع شتات العراقيين المهاجرين، وتعمل على توحيد كلمتهم، لوحدة هدفهم، وهي خدمة الإمام الحسين عليه السلام، فكانت هذه الشعائر سبباً في إذكاء روح المعارضة ضد النظام، بل كانت سبباً في تنظيم هذه الجماعات المتناثرة تحت مظلة المنبر الحسيني، الذي يزيد من همة الروح الثورية والتذكير بأصلهم، والارتباط بأرض كربلاء، مهما بعدت المسافات وطال الزمن.
[٣١] حادثة هدم القبر الشريف متواترة لا يختلف عليها اثنان، يصف السيوطي الحادث المؤلم بقوله: وفي سنة ست وثلاثين بعد المائتين أمر ــ أي: المتوكل ــ بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وخُرّب، وبقي صحراء، وكان المتوكل معروفاً بالتعصب، فتألم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، فمما قيل في ذلك:
بالله إن كانت أمية قد أتت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله *** هذا لعمري قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبّعوه رميما
تأريخ الخلفاء للسيوطي ص٣٢١.
وفي أحداث سنة مائتين وست وثلاثين قال الطبري: «وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى من الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق، فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه، وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه». تأريخ الطبري ج٧ ص٢٦٥.
وكان المتوكل من أشد العباسيين على أهل البيت وشيعتهم، وأكثرهم حرصاً على منع الناس من زيارته، وهو وريث آبائه الذين سبقوه في تتبّع آثار أهل البيت عليهم السلام، وهدم قبورهم، كأبي جعفر المنصور وهارون الرشيد وغيرهما، ممن أفزعتهم هذه الشعائر وأحسّوا بخطرها، ووثبوا عليها بالملاحقة والمطاردة، لا لشيء إلا لأنها تعيد الثقة لأولئك المحرومين من أتباع أهل البيت عليهم السلام، وتشد أواصر تلاحمهم، وتعيد الكيان الشيعي إلى ما هو عليه من الاجتماع بعد التفرق، والقوة بعد الضعف، والثقة بعد الإحباط.