اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٥٦ - ٤- نظريّة الاستاذ البروجردي رحمه الله في تمايز العلوم
العلم عرض بالنسبة إلى الآخر، إذ المراد بالعرض هنا- كما عرفت- هو العرض باصطلاح المنطقي، وهو عبارة عمّا يكون خارجاً من ذات الشيء، ومتّحداً معه في الخارج، ففي قولنا في العلم الإلهي بالمعنى الأعمّ: «الجسم موجود» كلّ واحد من وصفي الجسميّة والوجود خارج من ذات الآخر مفهوماً، ومتّحد معه خارجاً، فكلّ واحد منهما عرض ذاتي بالنسبة إلى الآخر، وكذلك كلّ واحد من وصفي الفاعليّة والمرفوعيّة في قولنا: «الفاعل مرفوع» يكون عرضاً منطقيّاً بالنسبة إلى الآخر، وهكذا في جميع مسائل العلوم.
والحاصل: أنّ الموضوع في كلّ مسألة عرض بالنسبة إلى جامع محمولات المسائل وبالعكس.
المقدّمة الخامسة: أنّ المتداول في المسائل وإن كان جعل الأخصّ موضوعاً والأعمّ محمولًا، فيقولون: «الفاعل مرفوع» و «المبتدأ مرفوع» وهكذا، إلّاأنّ النظم الطبيعي يقتضي جعل المعلوم من الأمرين موضوعاً، والمجهول منهما محمولًا، فإذا عرف المخاطب زيداً، ولكنّه لم يعلم أنّه جاء من السفر أم لا؟
نقول: «زيد جاء من السفر»، وإذا علم بمجيء شخص من السفر ولم يعلم أنّه من هو؟ نقول: «الذي جاء من السفر زيد».
إذا عرفت هذه المقدّمات تبيّن لك أنّ الحقّ مع القدماء، حيث قالوا: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، إذ المراد بموضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، وليس هو إلّاعبارة عن جامع محمولات المسائل، الذي عرفت في المقدّمة الثانية أنّ تمايز العلوم بتمايزه، ووجه كونه موضوعاً أنّ جامع محمولات المسائل في كلّ علم هو الذي ينسبق أوّلًا إلى الذهن، ويكون معلوماً عنده، فيوضع في وعاء الذهن، ويطلب في العلم تعيّناته وتشخّصاته التي تعرض له.