شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٣٧٣ - الخبر المشتق وغيره ، وحكمهما في تحمل ضمير المبتدأ
.................................................................................................
______________________________________________________
من معنى الفعل ، فلو وقع موقع مشتق لجرى مجراه في تحمل الضمير كقولك مشيرا إلى رجل شجاع : هذا أسد ؛ ففي أسد حينئذ ضمير مرفوع به ؛ لأنه مؤول بما فيه معنى الفعل ، ولو أسند إلى ظاهر لرفعه كقولك : رأيت رجلا أسدا أبوه ، ومنه قول الشاعر [١ / ٣٤٥] :
|
٦٠٨ ـ وليل يقول النّاس من ظلماته |
سواء صحيحات العيون وعورها |
|
|
كأنّ لنا منه بيوتا حصينة |
مسوحا أعاليها وساجا كسورها [١] |
فرفع الأعالي والكسور بمسوح وساج لإقامتهما مقام سود. وإذا جاز ارتفاع الظاهر بالجامد لتأوله بمشتق كان ارتفاع المضمر به أولى ؛ لأنه قد يرفع المضمر ما لا يرفع الظاهر كأفعل التفضيل في أكثر الكلام [٢].
وإذا رفع الجامد القائم مقام مشتق ضميرا أو ظاهرا جاز أن ينصب بعد ذلك به تمييز أو حال كقول الشاعر : ـ
[١] البيتان من بحر الطويل وهما في وصف ليل طويل مظلم قالهما الأعشى (ديوان الأعشى : ص ٦٨) وجواب واو رب مذكور في البيت الذي بعد ذلك ، وهو قوله :
|
تجاوزته حتى مضى مدلهمّه |
ولاح من الشّمس المضيئة نورها |
اللغة : العور : جمع عوراء. المسوح : جمع مسح بكسر الميم وهو الثوب الخشن المنسوج من الشعر.
السّاج : الطيلسان الأخضر أو الأسود. الكسور : جمع كسر بالفتح وهو الشقة السفلى من الخباء ، أو ما تكسر وتثنى منها على الأرض.
المعنى : يصف الشاعر ليلا طويلا مظلما ظلمة لا يبصر فيها أحد ، ثم شبهه بالبيوت الحصينة أو الثياب التي تنسج بقماش سميك غليظ.
وشاهده : رفع الاسم الظاهر مرتين بأسماء جامدة ، وذلك لتأويلها بمشتق.
والبيت في شرح التسهيل : (١ / ٣٠٦) وفي التذييل والتكميل : (٤ / ١٣) وفي معجم الشواهد (ص ١٦٠).
[٢] يريد أن يذكر أنه لما كان العمل ضعيفا في الضمير المستتر ، حيث لا يظهر أثره لفظا لم يحتج إلى قوة العامل فيرفعه كل فعل وكل وصف ، بخلاف الضمير البارز والاسم الظاهر ، فيحتاجان إلى قوة العامل لقوتهما وظهور أثر العامل فيهما لفظا ، وبخاصة في الاسم الظاهر ، فرفعهما كل فعل لقوة الفعل في العمل ، ولم يرفعهما كل وصف ، وذلك لأن أفعل التفضيل لا يرفعهما ؛ لأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل من قبل أنه في حال تجريده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع ، إلا ما حكاه سيبويه من قلة العمل في مثل قولهم : مررت برجل أكرم منه أبوه.
وهذا بخلاف المسألة المشهورة في باب أفعل التفضيل بمسألة الكحل ، فإنه يرفع الظاهر كثيرا لصحة قيام الفعل مقامه.