سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٢٠٣ - كلام المولى صدرا في ردّ الصوفيّة
و أحوالها،فهذا هو معنى الذكر الحقيقي،و في التعبير عن معرفة الحقّ و صفاته و علم النفس و سماتها بالذكر سرّ خفي يعلمه العارفون بأذواقهم دون الجاهلين و المتشبّهين بأهل الحقّ في مجالسهم و أسواقهم،و هذا هو التذكير المحمود شرعا الممدوح عقلا الذي دلّ عليه برهان الكشفي و ورد عليه الحثّ الشرعي في حديث أبي ذر رضي اللّه عنه،حيث
٦٨٢٤ ورد انّه قال:قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة و حضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة،قيل:يا رسول اللّه من قراءة القرآن؟فقال:و هل ينفع قراءة القرآن الاّ بالعلم؟
فقد اتّخذ المزخرفون و البطّالون أمثال هذا الحديث و غيره حجّة على تزكية أنفسهم و نقلوا اسم التذكير الى خرافاتهم و ذهلوا عن طريق الذكر المحمود و اشتغلوا بالأصوات و الحروف و ما يواظب عليه أكثر الوعّاظ و القصّاص في هذا الزمان و هو القصص و الحكايات و الشطح و الطامات،و أكثر ما اعتاده عامّة المتصوّفة و عوام الوعّاظ في هذا الزمان كلمات مزخرفة شعريّة يكون تكثيرها في المواعظ مذموما،قال اللّه تعالى: «وَ الشُّعَرٰاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغٰاوُونَ* أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وٰادٍ يَهِيمُونَ» [١]،و قال تعالى: «وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ الشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ» [٢]،و مجالس هؤلاء القوم مشحونة بالاشعار و ما يتعلق بالتواصف في العشق و جمال المعاشيق و شمايل المحبوبين و روح وصالهم و ألم فراقهم و المجلس لا يحويه إلاّ أجلاف العوام و سفهائهم و قلوبهم محشوة بالشهوات و بواطنهم غير منفكّة عن الالتذاذات و الالتفاتات الى الصور المليحة فلا يحرّك الاشعار المشفوعة بالنغمات من نفوسهم الاّ ما هي مستكنّة فيها من الأمراض القلبية و الشهوات المخفيّة و قد قيل:
مثل السماع للنفوس مثل الزند و المقدحة للنار فيهيج لكلّ أحد ما يكمن،فمن كان مريض النفس ناقص الهمّة من العوام و الأرذال فيشتعل فيهم نيران الشهوات
[١] سورة الشعراء/الآية ٢٢٤ و ٢٢٥.
[٢] سورة يس/الآية ٦٩.