طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨ - أدلّة الأخباريين حول تقييد حجّية ظواهر الكتاب ونقدها
فبعد الفحص إذا لم نظفر بما يخالف ظاهر الكتاب من تخصيص أو تقييد أو قرينة مجاز يكون ذلك الظاهر ممّا علم خروجه تفصيلًا عن أطراف الشبهة، فلا مانع حينئذٍ من إجراء أصالة الظهور فيه، و إلّافيجب القول بعدم حجّية ظواهر الأخبار أيضاً.
الوجه الرابع: روايات تدلّ على أنّ للقرآن مفاهيم عالية لا تصل إليها أفهام عامّة الناس القاصرة، وأنّ مخاطب القرآن إنّما هو الرسول صلى الله عليه و آله والأئمّة الهادين عليهم السلام، كرواية سدير، عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث قال:
«واللَّه عندنا علم الكتاب كلّه» [١]
، وما رواه زيد الشحّام، عن أبي جعفر عليه السلام:
«إنّما يعرف القرآن من خوطب به» [٢].
ويرد عليه: أنّ المقصود من هذه الروايات أنّ معارف القرآن بجميع شؤونه من المحكم والمتشابه والظاهر والباطن لا يفهمها غير رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام، وإلّا فقد عرفت أنّ الأخبار الدالّة على إرجاع آحاد الناس إلى الكتاب العزيز متواترة، وقد ورد في الكتاب نفسه مخاطبة الناس بل الكفّار والمشركين منهم بمثل قوله تعالى: «يا أيّهَا الْنَاس» و «يا أَهْلَ الْكِتاب».
الوجه الخامس: ما يبتني على مزعمة تحريف القرآن، وهو أن يقال: إنّا نعلم إجمالًا بوقوع التحريف في الكتاب، وكلّ ما وقع فيه التحريف يسقط ظهوره عن الحجّية، فظواهر كلام اللَّه تسقط عن الحجّية.
وفيه أوّلًا: أنّ تحريف القرآن مزعمة سخيفة باطلة، كما سيأتي بيانه إنشاءاللَّه تعالى.
وثانياً: لو فرضنا وقوع التحريف في الكتاب لكنّه لا يوجب المنع عن حجّية ظواهره، وذلك لأنّ الأخبار الدالّة على لزوم الأخذ بظواهر كتاب اللَّه الّتي مرّت سابقاً لا تدعونا إلّاإلى العمل بهذا القرآن الموجود في أيدي المسلمين، وتلاوة آيات هذا القرآن الذي وصل إلينا من عهد الصادقين عليهما السلام سواء فرضنا- فرضاً باطلًا- تحريفه بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وقبل جمعه في عهد عثمان أو لم نقل به كما هو الحقّ
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ١٣، ح ١٤ و ١٦
[٢]. المصدر السابق، ح ٢٥