طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٠ - التفصيل بين المباني في القول بالتساقط أو التخيير
الكامل لا يحتاج في تشريعاته إلى أبناء البشر، وإنّهم لم يقعوا في هذه المشكلة إلّا بترك الثقل الأصغر من الثقلين أعني أئمّة أهل البيت عليهم السلام الذي أمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بالتمسّك بهما.
ولنعم ما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام:
«تَرِدُ عَلَى أَحَدِهُم الْقَضِيَّةُ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكامِ فَيَحْكُمُ فِيها بِرَأْيِهِ، ثُم تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِخِلافِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْقُضَاةُ بِذلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ فيُصَوّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً- وَإِلهُهُمْ وَاحِدٌ! وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ! وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ! أَفَأمَرَهُمُ اللَّهُ- سُبْحَانَهُ- بِالْاختِلافِ فَأَطَاعُوهُ! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ!» [١].
ولا يخفى أنّه بناءً على هذا المعنى للسببيّة تدخل الأمارات المتعارضة في باب التزاحم ويكون مقتضى القاعدة حينئذٍ التخيير.
٢. التصويب المعتزلي: وحاصله أنّ لنا واقعاً محفوظاً قد تصيبه الأمارة وقد تخطئ، ولكنّها في صورة الخطأ توجد مصلحة أقوى من مصلحة الواقع في مؤدّيها، فتوجب سقوط الواقع عن الفعليّة وانقلاب الحكم الواقعي إلى مؤدّى الأمارة.
وهذا المعنى أيضاً أجمع أصحابنا على بطلانه، ويكون مقتضى القاعدة بناءً عليه هو التخيير؛ لأنّ الأخبار المتعارضة تدخل حينئذٍ في باب التزاحم أيضاً.
نعم قد فصّل المحقّق الخراساني رحمه الله هنا وقال: «هذا إذا قلنا بالسببيّة مطلقاً ولو فيما علم كذبه، وأمّا إذا قلنا بسببيّة الأمارات في خصوص ما لم يعلم كذبه من الخبرين المتعارضين بأن لا يكون ما علم كذبه مسبّباً لحدوث مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، فحالهما حينئذٍ من حيث مقتضى القاعدة الأوّلية كحالهما بناءً على الطريقيّة عيناً من التساقط» [٢]، وما ذكره قريب من الصواب.
٣. السببية الظاهرية: والمراد منها أنّ أدلّة حجّية الأمارة تجعل حكماً ظاهرياً
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ١٨
[٢]. كفاية الاصول، ص ٣٣٩- ٣٤٠