طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٣ - مناقشات في دلالة الآية و حلّها
الجهاد وذمّ المنافقين لأجل تركهم الجهاد، فكان المؤمنون يخرجون إلى الجهاد جميعاً لئلّا يعمّهم ذمّ الآيات، فنزلت الآية ونهت عن خروج الجميع.
ويؤيّده أيضاً: ما رواه الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان قال: قال الباقر عليه السلام:
«كان هذا حين كثر الناس فأمرهم اللَّه سبحانه أن تنفر منهم طائفة وتقيم طائفة للتفقّه وأن يكون الغزو نوباً» [١]
، فقد صرّحت هذه الرواية بما قدّرت في الآية بناءً على هذا التفسير، أي قوله عليه السلام:
«وتقيم طائفة»
وهو مختار كثير من المفسّرين.
ثمّ إنّ الاستدلال بهذه الآية يقوم على أساس دلالة قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» على وجوب الحذر عند إنذار المتفقّه في الدين مطلقاً سواء حصل منه العلم أو لا، وهو معنى حجّية خبر الواحد تعبّداً، وقد ذكروا وجوهاً للاستدلال بها وأحسنها وجهان:
الوجه الأول: أن يقال: إنّ كلمة «لعلّ» وإن كانت مستعملة في معناها الحقيقي، وهو إنشاء الترجّي حتّى فيما إذا وقعت في كلامه تعالى، ولكن بما أنّ الداعي إلى الترجّي يستحيل في حقّه تعالى لأنّ منشأه عبارة عن الجهل والعجز، فلا محالة تكون مستعملة بداعي طلب الحذر، وإذا ثبت كون الحذر مطلوباً ثبت وجوبه؛ لأنّه لا معنى لحسن الحذر ورجحانه بدون وجوبه، فإنّ المقتضي للحذر إن كان موجوداً فقد وجب الحذر وإلّا فلا يحسن أبداً.
وهذا الوجه تامّ إلّامن ناحية ما ذكر من استحالة الترجّي في حقّه تعالى؛ لأنّ المأخوذ في مادّة الترجّي هو الحاجة إلى شرائط غير حاصلة، وعدم حصول الشرائط تارةً يكون من جانب المتكلّم وهو اللَّه تعالى، واخرى من ناحية المخاطب وهو الناس، ففي ما نحن فيه وإن كانت الشرائط حاصلة من جانبه تعالى إلّاأنّها غير
[١]. مجمع البيان، ج ٥، ص ١٤٤