طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - ٩ كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري
وهذا الأمر يثير مشكلة التوفيق بين الحكم الواقعي المشترك بين المخطئ والمصيب، والحكم الظاهري الذي هو مفاد الأمارة، لمحاذير عقليّة عديدة:
أحدها: اجتماع النقيضين في صورة عدم إصابة الظنّ للواقع، واجتماع المثلين في صورة الإصابة، وهذا بالنسبة إلى نفس الحكم.
ثانيها: اجتماع الضدّين في نفس المولى في صورة الخطأ وهو اجتماع الإرادة والكراهة؛ لأنّ الأمر ينشأ من الإرادة والنهي ينشأ من الكراهة وهذا يكون بالنسبة إلى مبادئ الحكم.
ثالثها: اجتماع الضدّين من المصلحة والمفسدة في صورة الخطأ، وهذا يكون بالنسبة إلى متعلّق الحكم.
رابعها: التكليف بما لا يطاق، لأنّ الحكم الواقعي يكلّف الإنسان بالفعل في مفروض الكلام، والظاهري يكلّفه بالترك مثلًا، والأمر بهما يستحيل على الحكيم الخبير.
خامسها: الإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحة في صورة الخطأ.
والشبهة المعروفة لابن قبة من أنّ جواز التعبّد بالظنّ موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال [١] لعلّها ترجع إلى بعض المحاذير المذكورة.
وهذه المحاذير مبنية على بقاء الحكم الواقعي المشترك بين الكلّ في مورد الأمارة، كما هو الصحيح لأنّ إرتفاع الحكم الواقعي يستلزم «التصويب» الباطل عندنا.
وقد حاول جماعة من الأصحاب لرفع هذه المحاذير، وكلّ سلك في حلّها طريقاً، والمختار في حلّها ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله [٢]، ويرجع إليه كلام كثير من الأعلام، وحاصله: أنّ العمل بالأمارة والتعبّد بها يتصوّر على وجهين:
[١]. انظر: معارج الاصول، ص ١٤١؛ فرائد الاصول، ج ١، ص ١٠٥
[٢]. راجع فرائد الاصول، ج ١، ص ١١٢