طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٣ - ٤ تحقيق حول المعاني الحرفية
ويلاحظ عليه: إنّه مخالف لما يتبادر من الحروف إلى الذهن عند استعمالها، وقياسه بالإعراب قياس مع الفارق، لأنّه يتبادر من كلمة «في» مثلًا في جملة «زيد في الدار» معنى خاصّ كالظرفيّة، ولا يتبادر شيء من علامة الرفع في «زيدٌ» في تلك الجملة.
الثاني: ما ذهب إليه المحقّق الخراساني رحمه الله وهو عكس الأوّل، وحاصله عدم الفرق بين الحروف والأسماء في كون معاني كليهما استقلاليّة، فلا فرق بين «من» مثلًا وكلمة «الابتداء» في دلالة كليهما على الابتداء، وعدم إمكان استعمال أحدهما في موضع الآخر ناش من شرط الواضع لا إنّه مأخوذ في الموضوع له، فإنّ الواضع اعتبر لزوم استعمال «من» فيما إذا لم يكن معنى الابتداء ملحوظاً استقلالياً وشرط في كلمة «الابتداء» استعمالها فيما إذا لم يكن المعنى آليّاً [١].
ويلاحظ عليه: أنّ هذا الشرط لا يوجب إلزاماً لغيره من المستعملين، فإنّ الذي يجب قبوله من الواضع إنّما هو ما يكون في دائرة الوضع، فإن كان هناك شيء خارج عنها وكان الموضوع له مطلقاً بالنسبة إليه فلا مانع حينئذٍ في استعمال تلك اللّفظة على نحو عامّ.
الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله من أنّ معاني الحروف كلّها إيجادية يوجد بها الربط بين أجزاء الكلام، فإنّ «من» في «سرت من البصرة إلى الكوفة» مثلًا توجد الربط بين كلمتي «البصرة» و «سرت». [٢]
وظاهر كلامه إنّها ليست حاكيات عن معانيها بل وضعت لإنشائها، فإنّ «في» مثلًا لا تحكي عن الظرفيّة بل توجدها في قولك «زيد في الدار».
وفيه: أنّه لا معنى لإيجاد النسبة بلفظ لا معنى له ولا يدلّ على مفهوم، فإن لم يكن لكلمة «في» مثلًا معنى الظرفيّة، فلا يمكن إيجادها بها في الكلام، فاللازم
[١]. كفاية الاصول، ص ١٢
[٢]. فوائد الاصول، ج ١، ص ٣٩