طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣ - الأمر الثاني في المجاز
فيكون المجاز حينئذٍ تصرّفاً في أمر عقلي لا في الكلمة- والمراد من التصرّف في الأمر العقلي جعل ما ليس بفرد فرداً له ادّعاءً- وفي الثاني ذهب إلى مثل ما اختاره المشهور [١].
ثالثها: ما أفاده صاحب وقاية الأذهان، فإنّه ذهب إلى كون المجاز استعمالًا للفظ في الموضوع له مطلقاً سواء كان من قبيل مجاز الاستعارة أو المرسل؛ لأنّ الإرادة في استعمال الألفاظ على قسمين: إرادة استعماليّة وإرادة جدّية، وهما تارةً تتّحدان واخرى تفترقان كما في الأوامر الامتحانيّة، فإنّ الإرادة فيها إرادة استعماليّة فقط لم تتعلّق بمتعلّق الأمر جدّاً.
ومن موارد افتراقهما المجازات كلّها، فإنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تعلّقت بالمعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ وأمّا الإرادة الجدّية فتعلّقت بالمعنى المجازي، وهذا تعبير آخر من أنّ المجاز في أمر عقلي وإنّ التطبيق على فرد ادّعائي [٢].
أقول: هذا القول هو مقتضى اللطافة المجازيّة فإنّ البداعة وجمال البيان يتحقّق فيما إذا استعمل اللفظ في معناه الحقيقي كما في قوله: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم» [٣] فإنّ حسن الكلام في هذا البيت مبني على كون نفس البيت أو الحرم عارفاً بمن هو المقصود فيه لا خصوص أهل البيت وأهل الحرم أو ربّ البيت وربّ الحرم، وهذا لا يكون إلّا بعد ادّعاء وجود قوّة مدركة عاقلة للبيت والحرم لمعرفة الإمام زين العابدين عليه السلام، وكذا في سائر المجازات.
مضافاً إلى أنّ مقتضى القرابة الشديدة بين المجاز والكناية ذلك، فإذا كان استعمال اللفظ في الكنايات في نفس الموضوع له فليكن كذلك في المجازات.
ولا إشكال ولا خلاف في أنّ اللفظ في الكنايات يستعمل في الموضوع له؛ لأنّ
[١]. مفتاح العلوم، ص ١٥٣- ١٥٦
[٢]. وقاية الأذهان، ص ١٠٣ وما بعدها
[٣]. ديوان الفرزدق، ج ٢، ص ١٧٨