طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧ - أدلّة الأخباريين حول تقييد حجّية ظواهر الكتاب ونقدها
الوجه الثاني: الروايات الناهيّة عن العمل بالمتشابهات، كرواية إسماعيل بن جابر، عن الصادق عليه السلام أنّه قال:
«إنّما هلك الناس في المتشابه؛ لأنّه لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء ونبذوا قول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وراء ظهورهم» [١].
والجواب عنه واضح؛ لأنّ المتشابه هو ما يتشابه بعضه بعضاً، أي ما يشابه فيه أحد احتمالين احتمالًا آخر، ويوجب الحيرة فيصير مجملًا ومبهماً، وإلّا ما لم يكن فيه تشابه بين الاحتمالين بل كان أحدهما ظاهراً والآخر مخالفاً للظاهر لا يكون متشابهاً حتّى يكون مصداقاً لهذه الروايات.
والشاهد على ذلك ما ورد في نفس هذه الرواية من قوله عليه السلام:
«لأنّهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلًا من عند أنفسهم بآرائهم»
وهذا لا يكون صادقاً في العمل بالظواهر والمطلقات والعمومات؛ لأنّ المعنى فيها مفهوم واضح.
هذا مضافاً إلى ذيل آية المحكم والمتشابه من قوله تعالى:
«فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ» [٢]
حيث لا يخفى أنّ العمل بالظواهر لا يكون فيه ابتغاء الفتنة، بل الفتنة تنشأ من ناحية اتّباع الذين في قلوبهمالمرض بعض الاحتمالات من دون دليل عليه، وهذا صادق في ما ليس له ظهور أو ما يخالف ظاهر اللفظ.
الوجه الثالث: أنّ ظواهر الكتاب وإن لم تكن بذاتها داخلًا في المتشابه، لكنّه مندرج فيه بالعرض، فلايجوز العمل بها، وذلك لأجل العلم الإجمالي بطروّ التخصيص والتقييد والتجوّز في الكتاب، ومع هذا العلم الإجمالي كيف يمكن الأخذ بظواهره؟
ويناقش فيه: بأنّ العلم الإجمالي يمنع عن التمسّك بالظواهر قبل الفحص لا بعده،
[١]. وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ١٣، ح ٦٢
[٢]. سورة آل عمران، الآية ٧