حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٩٦ - الفصل الأوّل فى الكلام على شبههم فى أنّه لا يجوز أن يكون لبارى تعالى عن قولهم صفة أصلا
المركّب منها و لم يلزم من ذلك تأخّر فى الوجود زمانى فلم يستحل و لم يذكر عليه دليل و إذا كان المركّب واجب الوجود على [١٧٩] تركّبه لم يحتج إلى مركّب و من يجوز تركّب واجب الوجود يقول لم يجب حدوث الأجسام و إمكان وجودها لتركّبها بل لما يلزم من قدمها وجود ما لا نهاية له هذا.
و أمّا الجواب عمّا قالوا على القسم الحقّ و هو أنّ صفات اللّه تعالى قائمة بذاته فقولهم:
«لا يجوز تعدّد واجب الوجود» غير مسلّم. و قولهم، «لو فرض واجب الوجود اثنين كان كلّ واحد منهما متعيّنا متميّزا عن الآخر بأمر» مسلّم. أمّا أن يكون ذلك إمّا ذاتيا أو عرضيّا فاسد لأنّهم تركوا قسما آخر هو الحقّ و هو أن يكون تعيّن كلّ واحد منهما بذاته و حقيقته كما انّ ذات البارى و صفاته متعيّنة بذواتها و تميّز كلّ واحد منهما عن الآخر بحقيقته، و قول واجب الوجود عليهما لا يوجب أن يكون جنسا لهما، فانّه قال فى هذا الموضع ليس معنى وجوب الوجود إلّا تاكّد الوجود و الوجود المتاكّد لا يخرج من أن يكون وجودا. و كذلك لو كان معنى وجوب الوجود وجودا لا علّة له لم يخرج من أن يكون وجودا و قد قالوا الوجود لا يكون جنسا لما تحته و لا نوعا و هو حقّ لا لما قالوا انّ الوجود لفظ مشكّك بل لانّ الجنس هو المقول على الأشياء المختلفة بالذاتيّات الّتي سمّوها «فصولا»، و النّوع هو المقول على المختلفات بالعرضيّات و الوجود يقال على [١٨٠] مختلفات الحقائق من الجواهر و الأعراض فكذلك واجب الوجود لا يمتنع أن يكون مقولا على الذّات و الصّفات المختلفات الحقائق. هذا هو الكلام على ما هو الحقّ و امّا على تسليم أن يكون واجبا وجود متّفقان فلا يلزم أن يكون تعيّنهما بأمر داخل فى الحقيقة أو بغير داخل بل لا يمتنع أن يكون بامر إضافىّ كما يكون أحدهما خالق الخير و الآخر خالق الشّر، أو يكون أحدهما خالق الأجسام و الآخر خالق الأعراض أو غير ذلك، كما قالوا فى نفس البشر انّها متفقة الحقائق و تكون متميّزة بتدبير الأبدان المختلفة و بعد المفارقة تبقى متميزة بتلك الإضافات المختلفة.
فإذن هذه الشّبهة باطلة و كذا الشّبهة الثانية فان قوله: «إذا كان وجوب الوجود صفة موجودة لشيء» باطل، فإن وجوب الوجود موصوف بالتّأكّد أو بأن لا علّة له، و قد بيّنا انّ الوجود غير موجود فى الأعيان.