حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٩٥ - الفصل الأوّل فى الكلام على شبههم فى أنّه لا يجوز أن يكون لبارى تعالى عن قولهم صفة أصلا
من الحكم البالغة و الأحكام التّام و النّظام الحافظ بعض أجزائها بعضا المعين بعض مصالحها بعضا حتّى لا يخلو جزء منه و جزء جزء إلى أدقّ ما يمكن أن يتصوّر من حكمة نافذة فيه بحيث لا يمكن إيجاده إلّا عن علم محيط بتفاصيل الموجودات، الّا أن يكون ذلك الإيجاد على سبيل التّسخير و الاستعمال كما أنّ الخطّ الحسن المنتظم من قلم الكاتب على حسب إرادة الكاتب و علمه من دون علم القلم بذلك. و اللّه تعالى عال على أن يكون له مسخّر و مستعمل فيكون عالما بايجاد العالم فاعلا له بالإرادة و الطّبع.
و أيضا العالم بما يفعله إذا لم يكن مقسورا على فعله كان راضيا بما يفعله مريدا له و اللّه تعالى عالم مريد و الفاعل غير المستعمل يكون قادرا على ما يفعل فاللّه تعالى قادر، و الفاعل عن علم و إرادة يكون حيّا لا محالة و اللّه تعالى حىّ و يجب أن يكون اللّه تعالى متّصفا بصفات الكمال منزّها عن صفات النّقص و الصّمم و العمى و البكم صفات نقص و عيوب. و من لا يكون سميعا يكون أصمّ و من لا يكون بصيرا يكون أعمى و من لا يكون متكلّما يكون أبكم، [١٧٨] فيجب أن يكون اللّه تعالى سميعا بصيرا متكلّما.
و إذا ثبت ان اللّه تعالى عالم قادر مريد حىّ سميع بصير متكلّم وجب أن يكون له علم و قدرة و إرادة و حياة و سمع و بصر و كلام خلافا للمعتزلة فإنّهم يقولون انّه عالم لا بعلم بل بعالميّة و قادر لا بقدرة بل بقادريّة و مريد لا بإرادة عند بعضهم و بإرادة لا فى محلّ عند بعض، و قد اقتدوا فى هذه المقالة بالفلاسفة فانّهم قالوا: انّه تعالى عالم و قادر و مريد لا بعلم و قدرة و إرادة بل بالذّات، و ذاته علمه و إرادته و القائل، هو عالم و لا علم له» كالقائل:
«هو عالم و ليس بعالم» لأنّ من لا علم له لا يكون عالما.
و إذا ثبتت الصّفات للّه تعالى بطل قولهم بنفى الصّفات و مع ذلك بقى ان أجيب عن شبههم.
فأقول: ليست صفات اللّه تعالى أجزاء لذاته بل قائمة بها على أنّ قولهم: «لو كان ذات واجب الوجود بذاته ملتئمة من شيئين أو أشياء كانت واجبة بهما أو بها فلا يكون واجب الوجود بذاته» فاسد، لأنّ الذّات لا تكون إلّا مجموع أجزائها فالواجب بأجزائه يكون واجبا لذاته. و أمّا التّقدم بالطّبع فإذا كان معناه هو أنّه لو لا كلّ واحد من الأجزاء لمّا وجد