حدوث العالم - ابن غيلان - الصفحة ٩٤ - الفصل الأوّل فى الكلام على شبههم فى أنّه لا يجوز أن يكون لبارى تعالى عن قولهم صفة أصلا
قالوا: فلو كان للّه تعالى صفة موجودة لزم أن يكون إمّا ذاته و إمّا صفته ممكنه الوجود، و ظاهر انّه يستحيل أن يكون ذاته ممكنة الوجود، و كذلك يستحيل أن يكون صفته ممكنة الوجود و إلّا لاحتاجت إلى موجب لوجودها و يكون ذلك إمّا ذات اللّه تعالى و إمّا غيره فإن كان اللّه تعالى موجد صفة لزم أن يكون مستقلا بالإيجاد من نور تلك الصّفة فلا يكون محتاجا إليها فى الإيجاد لغيرها فلا حاجة إلى إثبات تلك الصّفة، و إن كان موجد صفة اللّه غير اللّه كان إمّا واجب الوجود بذاته أو ينتهى آخر الامر إلى واجب الوجود بذاته فيلزم أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد. و أيضا يستحيل أن لا يكون اللّه تعالى واجب الوجود بذاته فإذن لا يجوز أن يكون للّه تعالى صفة.
و أيضا ذكر فى كتاب الإشارات لنفى الصّفات أنّ الغنىّ التّام هو ما لا يكون متعلّقا بشيء آخر امّا فى ذاته كمقوّمات الماهيّة [١٧٦] فانّه يتم بها فى ماهيّته، و إمّا فى هيئات متمكّنة من ذاته كالحسن و الشّكل و غيرهما، و إمّا فى هيئات كماليّة اضافيّة لذاته كعلم أو قدرة فمن احتاج إلى شيء من ذلك فهو فقير محتاج إلى كسب فيكون محتاجا و ناقصا.
فهذه شبههم فى نفى الصّفات عن اللّه تعالى و قد ذكر علماء الإسلام من أهل السّنة و الجماعة أدلّة على إثبات صفات الكمال للّه تعالى بما فيه كفاية على ما هو مذكور فى كتبهم و أنا أذكر هاهنا من ذلك طرفا:
فأقول: أمّا الإرادة فقد ذكرنا من قبل انّه لا بدّ فى العالم حادثا كان أو قديما من مرجّح لأحد المتماثلات على أحد الوجوه المذكورة حتّى يدخل فى الوجود من بين أمثالها المتساوية النّسب إلى الّذي وجد منه سواء كان علّة أو مختارا و ذلك هو الإرادة، فيجب أن يكون موجد العالم مريدا.
و أمّا العلم فلا خلاف فى ان صانع العالم غير مقسور من غيره على ذلك و الفاعل غير المقسور على فعله إمّا أن يفعله بالطّبع كالنّار فى الاحتراق أو بالإرادة كالإنسان فيما يفعله بالرؤية أو بهما جميعا كالإنسان أيضا فى النّزول إلى تحت. و محال أن يكون العالم صدر عمّا صدر عنه بالطّبع لأنّ ما يصدر عنه الفعل بالطّبع لا يكون له شعور [١٧٧] بذلك كالنّار فى الإحراق، و كيف يقول لا شعور لموجد العالم بإيجاده مع ما يرى فى أجسام العالم و أعراضه