موسوعة أدب المحنة - الحلو، السيد محمد علي - الصفحة ٣٧٨ - السيد مهدي الاعرجي
القصيدة الجاهلية بكونها أكثر التزاماً وجدية، فالرثاء الجاهلي كان ترفاً فنياً يتفنن به الشاعر للبكاء على أطلاله، والرثاء الأموي كان غرضاً سياسياً أكثر من كونه معّبراً عن مصداقية القصيدة ووجدانيات الشاعر، حيث يعمد الشاعر إلى رثاء الخليفة أو حاشيته ليحصل بالحظوة عند السلطان، والرثاء العباسي كان ترفاً فكرياً يتبارى به الشعراء ليرثى به خاصة الخليفة أو جاريته أو موقف يقترحه الخليفة على الشاعر ليجيد بقريحته، فيجيد هو بعطائه، وهكذا تعثّر الفن الرثائي من شعور وجداني ينطلق من نفس الشاعر لينعى به أحد الأحبة، إلى تسابق فني يؤكد به الشاعر مقدرته الشعرية وفنه الرثائي.
كانت فاجعة الطف قد خلقت احساساً وجدانياً خاصاً ترتسم من خلالها في مخيلة الشاعر صوراً رثائيةً رائعةً تحاول الوصول إلى حجم الفاجعة وارتسام المأساة،ولما كانت فاجعة الطف متشعبة المآسي تفوق في مواقفها التراتيجيدية كل تصور، فان الشاعر يصل إلى حالة عجز بيّن في احتواء كل المواقف المفجعة، لذا فهو يحاول أن يبذل وسعه الفني في تصوير مشهد واحد على الأقل فتشاركه هواجس نفسية تنبعث من آلامه فضلا عن دوافعه الايمانية في اثبات مظلومية آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا تجد أن القصيدة الرثائية الشيعية قادمة من عدة عوامل موضوعية تؤكد في مصداقيتها ما يعنيه الشاعر وما يقصده، وإذا كانت فاجعة الطف هي المأساة التي شاركت في تقديم اطروحة الرثاء المبدع، فان مأساة الزهراء (عليه السلام) قد حققت الانطلاقة الرثائية الأولى في نفس الشاعر الشيعي وهي الفاجعة الاولى التي حرّكت أحاسيسه وجذّرت هواجسه في الشعور بالمظلومية التي ورثتها أمةً كاملة