موسوعة أدب المحنة - الحلو، السيد محمد علي - الصفحة ٢٣ - تمهيد
وإذا كانت الأمور كذلك فما الغرابة من دخول القوم بيت علي؟ وإذا كانت فاطمة حبيبة رسول الله وبضعته قد استقبلت القوم بالتوبيخ على ما خلّقوا نبيهم في عترته، فما الذي يمنع القوم من أن يتموا مهمتهم العاجلة بعد ذلك ليطالبوا علياً بالبيعة وإلا حرّقوا عليه الدار، وان كانت فاطمة فيها، فمن هي فاطمة في سنّةِ القوم؟ أليس هو الانقلاب الذي يتطلب الاجهاز على أية حركة تصده؟ وهل غير المجازفة العسكرية التي تأخذ بالقوم إلى أبعد من ذلك ليضربوا فاطمة ويسقطوا ما في أحشائها ويباغتوا علياً وأصحابه بالدخول؟ فالوقت لا يسمح بالتأمل في عواقب الأمور، والمجازفة لا ترتضي التسامح في القرارات، فاما النصر على حساب المبادىء والاعراف، وأما الهزيمة على حساب السلطة والجاه.
هذه هي السقيفة، وهذه تحركاتها، فهي إذن حالةٌ طبيعية في أعراف الانقلاباتِ العسكرية والمناوراتِ السياسية، وهي طبيعيةٌ إذن في مفهومِ الوثوبِ على قضية لم يُذعنَ الناسُ لها، فالثوابتُ لا زالت هي نفسُ الثوابتِ التي درج عليها المسلمون، والاعرافُ هي نفسُ الاعراف التي أذعن اليها المسلمون، والذاكرةُ لم تُغيّرها الخطبُ والمهاترات، والجدال وتزويق الالفاظ لا يلغي ما ارتكز عند المهاجرين والانصار من النصوص الواضحة الجلية، ففي علي حفظ كل المسلمين وقائع الاستخلاف، وفي علي روى كل واحد منهم منقبةً أو فضيلةً، وفيه جرت على يد كل منهم مكرمة نبوية جليلة، فكيف والحال هذه يقنع المسلمون الخلافة في غير علي، وكيف بعد ذلك كله يأخذ المسلمون من غير علي أحكامهم وقد شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له بالقضاء والعلم والزهد والشجاعة ومن ثم شهد له بانه يحب الله ورسوله كما يحبه الله