موسوعة أدب المحنة - الحلو، السيد محمد علي - الصفحة ٢٢ - تمهيد
يئمنون من وثوب من بايعهم بالأمس أن يرجع اليوم عنهم فيثب عليهم وينقلب عن أمرهم، أليس بشير بن سعد وهو أول من بايع من الانصار حين سمع نداء علي اعتذر وندم على فعلته حتى اعتذر لعلي أن الناس لو سمعوا منك كلامك ما اختلف عليك اثنان[١] أي أن الأمور كانت تنذر بالانقلاب بين الحين والأخر فيفرط الأمر من أيديهم، وتنفلت قيادها عن حوزتهم، فما العمل إذن وعلي في بيته تحيطُ به انصاره وقد رغبوا عن بيعتهم، وماذا يعتذر أهل السقيفة غداً لو أن علياً وغيره من وجوه الصحابة قد كفوّا أيديهم عن مبايعتم وتجهزوا للقائهم بالحجة والبرهان؟ وحاجوهم أن الأمر أخرجوه من بيت محمد إلى بيوتهم فنازعوه سلطانه ووصفوهم بالنكوص والخذلان؟
فليعاجلوا علياً اذن وليأخذوا البيعة منه قهراً وغلبة، أو طوعاً وانصياعاً، ومعلوم أن الحق لا يذهب سدى ولا يخذله أهله كما أنه لا يخذل أهله، فعليٌ لم يبايع اذا خلّي هو ونفسه، وانه لم يرضَ إذا تُرِكَ لسبيله، فان السقيفة العارمة تَسحقُ كل من يقف في وجهها اليوم بالقهرِ والغلبةِ، وتسالم كل من أيدها بالطوع والانصياع، فانه الانقلاب الذي يسحق كل شيء ويثب على كل شيء. فمن هو عليٌ في مفهوم الواثبين على الأمر غلبةً وقوة؟ ومن هذا وذاك وأولئك اذا توقّف إنجاح المجازفةِ على سحقِ كل الثوابتِ والمسلّمات؟ فانها الغلبةُ وانها المعاجلةُ وانها الخدعةُ، فليعبّروا عنها ما يشاؤون فان باب الاعتذار واسع بعد ذلك، ومحاولات التبرير سخيّة، وليقضوا أمرهم ثم فليكن ما يكون.
[١] راجع المسعودي مروج الذهب ١: ١٢.