تحرير الأصول - الموسوي الجزائري، السيد محمد علي - الصفحة ٣٩٢ - وجوه الحمل على التعبّدية
الإيصال، و مثله المقام؛ فإنّ المأمور به ليس نفس الطبيعة المطلقة و لا المقيّدة بإتيانها بداع الأمر، بل الطبيعة التي لا تنطبق قهرا إلّا على المقيّد لضيقها الذاتي.
و استدلّ على سرّ هذا الضيق القهري بقياس العلل التشريعيّة بالعلل التكوينيّة؛ فكما أنّ الحرارة ليست مقيّدة بالنار التي تولّدت منها و إلّا لزم أن يكون المعلول المتأخّر مقيّدا بالعلّة المتقدّمة، و لا مطلقة و إلّا يلزم أن يكون المعلول أوسع من علّته لكنّها على وجه لا تنطبق إلّا على الحرارة المتقيّدة بالنار، فهكذا العلل التشريعيّة، فإنّ الأمر لا يحرّك نحو الطبيعة المطلقة و لا المقيّدة بأمرها للإشكالات السابقة، و لكنّه على نحو لا ينطبق إلّا على المأتي بها بأمرها [١].
و فيه أوّلا: أنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به في ظاهر الكلام بحسب ما هو مفهوم منه عرفا و هو الطبيعة الخالية عن القيد. و أمّا تضيّق الطبيعة قهرا بكونها مدعوا إليها بالأمر بسبب كونه متعلّقا للأمر قياسا لها بالعلل و المعاليل التكوينيّة فأمر لا يفهمه العرف.
و ثانيا: ما أفاده في العلل التكوينيّة و المؤثّرات الحقيقيّة في محلّه. و أمّا الأمر فصرف إنشاء الطلب و متعلّقه الفعل الاختياري و تعلّقه بالطبيعة المطلقة معقول و إلّا لزم استحالة الأمر التوصّلي إذ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص. ثمّ لو فرضنا تضيّق المتعلّق قهرا بالطبيعة المدعو إليها بدعوة المولى إنشاء، فالقائل كأنّه توهّم أنّ تلك الطبيعة المضيّقة لا تنطبق إلّا على ما يأتي به العبد بداع امتثال الأمر. و الظاهر أنّه خلط بين الداعويّة الإنشائيّة من قبل المولى و الداعي النفسي من قبل العبد بمعنى غرضه الباعث له على الفعل.
فلو سلّمنا أنّ الطبيعة المتعلّقة للأمر متضيّق قهرا بما دعي إليها من قبل
[١] تهذيب الاصول ١: ١٢٢.