تحرير الأصول - الموسوي الجزائري، السيد محمد علي - الصفحة ٢٩٨ - في اتّحاد الطلب و الإرادة
و إن كان وجيها بالقياس الى الدعوى الاولى، إلّا أنّه أيضا فاسد؛ فانّ الإرادة كما عرفت من مقولة الكيف، و الطلب من مقولة الفعل و يستحيل صدق المقولتين على أمر واحد باعتبارين؛ لتباينهما.
ثمّ إنّه بعد ما تبيّن تغايرهما مفهوما و مصداقا، يقع الكلام في مقام آخر و هو أنّه هل يوجد في النفس شيء وراء الإرادة يطلق عليه الطلب كي يقال بوجود الطلب و الإرادة النفسيتين و تغاير أحدهما مع الآخر مفهوما و مصداقا؛ لكون أحدهما من مقولة و الآخر من مقولة اخرى؟ أم لا حقيقة للطلب النفسي أصلا.
و بعبارة اخرى: هل الموجود في النفس المترتّب عليه حركة العضلات امور ثلاثة: التصوّر و التصديق بالفائدة و الشوق المؤكّد المعبّر عنه غالبا بالإرادة؟ أو هناك أمر آخر متوسّط بين الإرادة و حركة العضلات؛ و هو المسمّى بالطلب.
و الحقّ هو وجود ذلك؛ لوجود مرتبة اخرى بعد الإرادة تسمّى بالطلب و هو نفس الاختيار و تأثير النفس في حركة العضلات، و قد يعبّر عنه بحملة النفس وفاقا لجماعة من محقّقي المتأخّرين و منهم المحقّق صاحب الحاشية.
و البرهان عليه أنّ الصفات القائمة بالنفس من الإرادة و التصوّر و التصديق كلّها غير اختيارية، فإن كانت حركة العضلات مترتّبة عليها من غير تأثير النفس فيها و بلا اختيارها يلزم أن لا تكون العضلات منقادة للنفس في حركاتها. و هو باطل وجدانا. و للزم أن تصدق شبهة أمام المشكّكين في عدم جواز العقاب؛ بأنّ الفعل معلول الإرادة و الإرادة غير اختياريّة و ان لا يمكن الجواب عنها و لو تظاهر الثقلان كما ادّعاه.
و أمّا الجواب عنه بأنّ استحقاق العقاب مترتّب على الفعل الاختياري أي الصادر عن الإرادة و إن كانت الإرادة غير اختياريّة فهو لا يسمن و لا يغني من جوع، بداهة أنّ المعلول لأمر غير اختياري، غير اختياري.