شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧١ - المسألة الثانية فى بيان حد الانسان و حقيقته
الأول: ان الانسان قد يقول: فعلت و أدركت و غضبت و اشتهيت و أبصرت و سمعت، فتكون التاء المذكورة من قوله: فعلت. ضميرا عن النفس و اشارة اليها. فتكون نفسه فى هذه الحالة مدركة مبصرة عنده بأقوى الادراكات و أجل التصورات، مع أنه فى تلك الحالة قد يكون غافلا عن البدن و عن جملة اجزائه و عن جملة الصفات القائمة به. فدل ذلك على أن الذي يشير اليه كل أحد بقوله «أنا» جوهر سوى البدن و سوى جملة أجزائه.
الثاني: أن المباحث الطبية دلت على أن جميع أجزاء البدن فى الذوبان و التحلل و التبدل، فانه لا معنى للغذاء الا ايراد بدل المتحلل، فأما المشار اليه لكل أحد بقوله «أنا» فانه باقى مستقر غير متبدل. و المتحلل المتبدل مغاير للباقى المستمر. فثبت: أن المشار اليه بقوله «أنا» جوهر النفس لا أنه هو هذا البدن أو شيء من أجزائه. و أما المشار اليه لكل أحد بأن يقول غيره له: أنت أو هو، فهذا ليس جوهر النفس بل هو البدن المخصوص بدليل: أنى لا أعرف زيدا الا البنية المشاهدة و الشكل المخصوص حتى ان تلك الهيئة و الهيكل لو تغيرت عن صورته و خلقته، فربما ظن أنه ليس هو بل غيره.
و لو شاهدت انسانا آخر يشبهه فى الهيئة و الهيكل، فربما أظن بهذا الآخر أنه هو، و ذلك يدل على أن الذي يشير كل أحد الى غيره بقوله أنت أو بقوله هو، فانه هو الهيكل المخصوص و البنية المخصوصة.
فان قالوا: الذي يشير كل أحد الى غيره بقوله أنت و بقوله هو باقى مستمر، و البدن المخصوص غير باقى و لا مستمر، بل هو فى الذوبان. فوجب أن يكون المشار اليه بقوله أنت و بقوله هو، ليس هو البدن. و بالجملة: فهذا عين ما ذكرتموه فى اشارة كل أحد الى نفسه بقوله أنا فما الفرق بين البابين؟ فنقول: الفرق: ان علم كل أحد بنفسه المخصوصة علم بديهى لا يقبل الشبهة و الخطأ. و لذلك فانه لا يشتبه بغيره البتة و لا غيره به البتة.