شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٧ - المسألة السادسة فى (أحوال المشهورات و شرائطها)
من المجيب، و ان لم تكن مشهورة فمعناه: ان المجيب الجدلى انما يركب قياسه من المشهورات، و السائل الجدلى، انما يركب قياسه عن مقدمات يتسلمها من المجيب سواء كانت مشهورة أو غير مشهورة.
فتعويل المجيب على المشهورات، و تعويل السائل على المسلمات.
ثم قال: «و المشهورات التي ليست بأولية فانما تصير عند الجمهور كالأوليات بسبب التمرن و الاعتياد» و اعلم: أن هذه اشارة الى أن هذه المشهورات قد تبلغ فى القوة و التأكد الى أن تصير مساوية للاوليات فى القوة، و أن سبب هذه القوة و التأكد هو التمرن و الاعتياد. ثم ذكر ما يجرى مجرى الدليل على أن هذه القوة انما حصنت بسبب التمرن و الاعتياد. فقال: «لو توهم الانسان نفسه خلق فى الخلقة الأولى عاقلا (كما هو) و شكك (نفسه) فيها، أمكنه أن يشك و أن لا يشك فى الأوليات» و معناه: أن الدليل على هذه القوة فى المشهورات: انما كانت بسبب الاعتياد، لأن الانسان اذا فرض نفسه كان خلق الآن، و لم يمارس الفا و ما شاهد قوما، ثم انه عند هذا الفرض يعرض على نفسه أن الظلم قبيح أم لا؟ و يعرض على نفسه أن الواحد هل هو نصف الاثنين أم لا؟
وجد نفسه عند هذا الفرض شاكة فى القضية الأولى، و قاطعة فى الثانية. فدل ذلك على أن الجزم الحاصل فى القضية الأولى انما حصل بسبب الالف و العادة.
و اعلم: أن هذا هو الذي عول عليه «الشيخ» فى الفرق بين المشهورات و بين الأوليات. و قد ذكرناه فى كتاب «البرهان» و أوردنا عليه الأسئلة الكثيرة.