شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٥ - المسألة السادسة فى (أحوال المشهورات و شرائطها)
و انما أوجبنا هذا الذي ذكرناه لوجوه:
الأول: ان القضية كلما كانت أشد كلية، كانت أشد استعدادا لقبول النقض، لأن كل ما يرد نقضا على الجزئى، فهو لا محالة وارد على الكلى. و قد ترد نقوض كثيرة على الكلى لا يمكن ورودها على الجزئى.
مثاله: قول القائل: ان كان الضد موجودا فى شىء، فضده موجود فى ضد ذلك المحل. فهذه مقدمة مشهورة. لكنه يسهل نقيضها، فان البياض موجود فى الجسم، و ضد البياض غير موجود فى ضد الجسم.
و أما اذا جعلنا تلك المقدمة جزئية، و قلنا: ان كان الاحسان الى الأصدقاء حسنا، كانت الاساءة الى الأعداء حسنة. فذلك النقض المذكور لا يتوجه على هذه المقدمة، لأن للقائل أن يقول: أنا ما ذكرت تلك الدعوى فى جميع الأضداد، حتى يتوجه على ذلك البعض، و انما ذكرته فى هذه الصورة على الخصوص، فلا يتوجه النقض. فثبت: أن ذكر المقدمة الجزئية فى القياسات الجدلية، أقرب الى الجزم.
الوجه الثاني فى بيان أن المقدمة الجدلية كلما كانت أشد جزئية، كانت أقرب الى القبول: و ذلك أن عند العوام (أن) الفهم بالمحسوسات أشد، و المشاكلة بين الجزئيات و بين المحسوسات، أشد من المشاكلة بين الكليات و بين المحسوسات. فلهذا السبب كان وقوف الطباع العامية على الجزئيات أكمل. و اذا كان حصول تصور الأمور الجزئية أسهل عليهم من تصور الأمور الكلية، كان حصول التصديق بها أيضا أسهل.
فأما اذا صارت القضية كلية محضة، صارت عقلية محضة، فتعسر تلك التصورات عليهم، فلا جرم يعسر التصديق بها عليهم.
و البحث السادس فى هذه المشهورات: أن نقول: هذه المشهورات على أقسام: فمنها ما يكون السبب فى شهرتها تعلق المصلحة العامة بها. كقولهم: العدل جميل و الظلم قبيح، و منها ما يحمل عليها الحياء و الخجل و الرحمة و القسوة، و منها شدة المشابهة بينها و بين القضايا