شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٢ - المسألة الخامسة فى تعريف صناعة الجدل على الوجه الذي كان موجودا فى الزمان القديم، و ترجحه على القانون الموجود فى هذا الزمان
الوجه الأول: ان هذا السائل لا يمكنه تسليم كل واحدة من المقدمات، الا اذا كان ماهرا فى أمرين:
أحدهما: أن يكون ماهرا فى تمييز كل مقدمة عن غيرها، واقفا (على) ما به تنفصل كل واحدة من تلك المقدمات عن غيرها.
و الثاني: أن يكون ماهرا فى تركيب القياسات عن المقدمات.
و بالجملة: فلا بد و أن تكون جميع المقدمات النافعة و الضارة له، حاضرة فى خياله، و أن يكون شديد القدرة على تركيب القياس كيف شاء و أراد.
و أما المجيب فلا بد و أن يكون محيطا بجميع مسائل ذلك العلم، حتى اذا سئل عن مقدمة، علم أنه إن سلمها، ففى أى مسألة يضره تسليمها، و فى أى مسألة ينفعه منعها. و معلوم أن مثل هذا السؤال و الجواب لا يتأتى الا من الماهر فى الصناعة، المحيط بجميع أجزائها و لوازمها القريبة و البعيدة. و أما مناظرات اهل هذا الزمان. فالمجيب يقرأ دليله، مع أنه لا يعلم أن دليله من كم مقدمة تركب؟ و السائل ما لم يسمع ذلك الدليل، فانه لا يقف على الموضع الذي يضره، و الموضع الذي ينفعه. فكان ذلك دليلا على غاية ضعف هذا المجيب و هذا السائل فى تلك الصناعة.
و الوجه الثاني فى الترجيح: أن الالزام و الافحام يحصلان- على القانون القديم- فى زمان قصير. لأن المجيب اذا سمع مقدمة، فان لم يسلم الطرق النافعة للسائل، بقى السائل ساكتا، و ان سلم الطرق النافعة، فحينئذ يركب السائل قياسا من تلك المسلمات، ينتج ابطال مذهب المجيب، و يصير المجيب منقطعا فى الحال. فظهر أن المناظرة على هذا الوجه سريعة الافضاء الى انقطاع أحد الخصمين.
فأما بحسب عرف هذا الزمان. فالمجيب يقرأ دليله بتمامه، و اذا سمع السائل ذلك، و عرف أن موضع الالزام انما جاءه من المقدمة الفلانية،