التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - إيقاظ العقل
(وما تسألهم عليه من أجرٍ إنْ هو إلا ذكر للعالمين) [١].
(وإنه لذكرٌ ولقومك وسوف تسألون) [٢].
والآياتُ التي تبعث الإنسان نحو النظر والتفكر والتعقل والتدبر وما أشبه إضاءاتٌ في هذا السيل وإذا استيقظ العقل من سباته، واستثيرت دفائنه، فإنّ صاحبه يتجنب نسبةً كبيرة من الأخطاء الجذرية، والضلالات البعيدة، ومن أجل أن نعرف ذلك دَعنا نبيِّن فكرةً أساسية:
الصور التي تنعكس على نفوسنا من الحقائق الخارجية ربما كانت مطابقة لها، وربما كانت مخالفة، فلا يمكن الاعتماد عليها، والثقة بها.
والمشكلة الرئيسية التي ظلت تقلق البشرية دوماً هي البحث عن ضمانةٍ لمعرفة مدى تطابق ما نعتقد انه حقٌ فعلًا، وبتعبيرٍ أخر عن طريقةٍ لتجنُّب الخطأ.
ولا شك شكّ أن محاولات البشر لإصلاح (المنطق) قد نجحت جزئياًّ منذ انتشار الفكر السوفسطائي الجدلي. والمنطق الأرسطي الذي جاء ردّاً مناسباً له، ثم المتطورات المحددة التي طرأت عله وحتى المناهج الحديثة كالمنطق الرياضي والتجريبي.
إلا أنّ الريب لا يزال يحكم عقل البشر، وذلك لأنه لم يفتش عن ذات العقل الذي يعتبر بمثبتة المصباح، إنما إكتفى بشعاعه وجعله بديلًا عنه. ولو عرف المصباح وجعل شعاعه دليلًا عليه لكفاه ذلك.
وهذا بالضبط هو النهج الإسلامي في المعرفة: اكتشاف المصباح بالمصباح، وبما يشّع من ضياء وعدم الالحاد فيه بما يضاء من أشياء. أرأيت العلم بسائر الحقائق انما يكون بفضل النور فإذا عقل البشر هذه الحقيقة ان علمه بالبديهيات والتي هي أصل العلم بسائل الحقائق، انما يكون بفضل النور الإلهي الذي نسميه عقلُا أو علماً؛ عرف ان الغفلة عن هذا النور ضلال مبين ..
بلى، إن معرفة النور الذي يضيء ما حوله ليست كمعرفة الاشياء التي تضاء بالنور، أو تدري لماذا؟ لأنّ النور يعرف بذاته، وبما يكشفه من الحقائق، فإذا أردت معرفته بغيره ضللت عنه، وعرفت مجموعة أشياء مضاءة هي بدورها بذات النور ولم نعرف النور
[١] - يوسف/ ١٠٤.
[٢] - الزخرف/ ٤٤.