التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - ٣ - مناهج القياس
يزعم أنه قد أوتي العلم، أو حصل عنده القطع بالحكم. ولذلك لا يجوز أنْ نعترض عليهم بالقول: كيف إذا حصل للفرد القطع من خلال هذه المناهج؟ لأنّهم يرون أنّ القطع لا يحصل من هذه المناهج لمن التفت إلى كلماتهم في الاعتراض عليها.
دعنا نستمع إلى كلام المحدث الاستر آبادي الذي يحكيه عنه شيخنا الأعظم الأنصاري، والذي يعكس نقله من دون تعليق ميله إليه، قال:
الدليل التاسع مبنّي على مقدمة دقيقة شريفة تفطّنتُ لها بتوفيق الله تعالى وهي: أن العلوم النظرية قسمان: قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة الحساب وأكثر أبواب المنطق. وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء، والخطأ في نتائج الأفكار ويضيف: وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الاحساس، ومن هذا القسم الحكم الإلهية والطبيعة وعلم الكلام وعلم اصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في علم المنطق. ومن ثم وقعت الإختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية والطبيعة وبين علماء الإسلام في أصول الفقه ومسائل الفقه وعلم الكلام وغير ذلك. والسبب في ذلك أنّ القواعد المنطقية انما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة، إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب الأقيسة تقسيم المواد على وجه كلي إلى أَقسام وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كل مادة مخصوصة، داخله في أيّ قسم من الأقسام ومن المعلوم امتناع وضع قاعدة يكفل بذلك. [١]
وهذا الأمر الذي التفت الهي بتوفيق الله سبحانه المحدث الاستر آبادي التفت إليه من قبله علماء كثيرون .. كما أصبح اليوم جزءاً من معارفنا الحديثة التي لا يختلف فيها عالمان.
قال الشيخ: والمستفاد من كلامه عدم حجيّة إدراكات العقل في غير المحسوسات وما يكون مباديه قريبة من الإحساس إذا لم يتوافق عليه العقول. وقد استحسن ما ذكره غير واحد مما تأخّر عنه منهم السيد المحدث الجزائريقدّس سره- ثم قال: (وممن وافقهما على ذلك في الجملة المحدث البحراني في مقدمات الحدائق حيث نقل كلاماً للسيد المتقدم في هذا المقام واستحسنه، إلّا أنه صرح بحجّية (الدليل) العقلي الفطري الصحيح،
[١] - فرائد الأصول/ ص ٩.