التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٨ - ٢ - خائض عشوات
وهكذا تراه جمع أفكار ضلالة، حتى سمّاه الناس عالماً وأنَّى له ذلك! وكما الظمآن الذي اندفع في شرب الماء المالح تراه يزداد تجميعاً للشبهات بلا فائدة له.
(بكّر فاستكثر ممّأ قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، واستكثر من غير طائل، جلس للناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، إن خالف من سبقه، لم يأمن من نقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله).
وهكذا كشف الامام عليه السلام- عن صفةٍ في هذه الطبقة تتمثل في عدم اتّباعهم لنهجٍ معين، لأنّهم يتبعون اهواءهم ويضعون للتيارات التي تضغط عليهم .. ويميلون مع كل ريحٍ عاصف. أما الصفة الثانية فيهي كما يقول الامام:
(وإنْ نزلت به إحدى المهمات هيّأ لها حشواً من رأيه ثم قطع عليه). فهو يتبع رأيه الباطل وكلنه يقطع عليه جزماً لأنّ محوره ذاته وإلهه هواه. (فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ. ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهباً، إنْ قاس شيئاً بشيء لم يكذب رأيه، وإنْ أظلم عليه أمير إكتتم به لما يعلم من نفسه من الجهل والنقص الضرورة كي لا يقال إنه لا يعلم. وهكذا تجد هذا الشخص يتكلّف اليقين ولا يقين له. ويدّعي القطع ولا يقطع بشيء. وينكر وجود العلم لجهله المطبق وتكبره عن الحق. ويمضي الحديث في بيان هذه الصفة الشائنة وما يرافقها من أعمال منكرة ويقول: (ثم أقدم بغير علمٍ فهو خائض عشواتٍ، وكّاب شبهاتٍ، خبّاط جهالات [١] لا يعتذر ممّأ لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرسٍ قاطع فيغنم).
ثم يحدَّد الامام موقف هذا الشخص من الأحاديث أنّه يتعامل معها باستهانةٍ وجهالة فإذا به يخلطها ببعضها، ولا يتدبّر في معانيها، ويحرّف كلماتها عن مواضعها كما تفعل بالهشيم الرياح الهوج حيث تذورها ذرواً.
وهكذا لا يعتني بها ولا يسلم لها، بل يطيّرها أو يسحقها كما تفعل الريح بالهشيم (يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء، ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام، ويحرّم، به الحلال ولا يسلم بإصدار ما عليه ورد، ولا
[١] - كناية عن عدم اتقانه للعلم.