التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - أدلة المحدثين في التقييد
أولًا: دليل العقل .. أليس العقل يبحث عن ضمانٍ للإنسان في تطبيق الشريعة؟ فإذا احتمل ان يكون للشارع سبل خاصة لتبليغ الأحكام وأنه لا يريدها الا عبر تلك الرسل، كيف يطمئن العقل إلى إدراك الأحكام بالقياس والاستحسان؟
ويبدو لي أن الأدلة الشرعية تشير إلى هذا الدليل الفطري كما سيأتي إنشاء الله. وناقشوا في هذا الدليل بأننا نفترض وجود القطع بالحكم عند المكلّف ومعه لا معنى للشكّ المزعوم.
وكلنّ هذا القطع يعتبر بدوياً سرعان ما يتبدّد إذا تذكّر الإنسان دقة الشريعة، وطبيعة أحكامها المتصلة بسائر العلوم والمعارف. ومثل ذلك مثل من يقطع بأنَّ هذا الألم من مرض معين، فإذا عرف أنّ تشخيص الأمراض ليس بتلك السهولة لأنه يقتضي الإلمام بعلم الطب المعقّد والمتشعّب زال اليقين منه.
وقد سبق منا القولم بأنّ القطع المنطقّي الذي يتحدث عنه البعض يختلف عن العلم واليقين الذي لا ريب في حجيته، وأنّ العقل الفطري هو الذي يميزّ بين ما تطمئنّ إليه النفس من الحقائق، وبين ما يلتجئ إلى قبولها ببعض الأقيسة الجدلية دون أية سكينة أو طمأنينة. كما أن العقل الفطري يكشف عن عدم جواز الاعتماد على القسم الثاني.
ثانياً: النصوص التي حذرت من الاعتماد على القياس في الدين واليت سوف نستعرض طائفة منها في الباب التالي، وفيها عبارات شديدة كقوله عليه السلام: (والسنّة إذا قيست محق الدين).
وهذه الأحاديث تشمل حالات القطع التي تحصل عند اصحابها عبر القياس وذلك بسبب الإيحاء الذاتي والجهل المركب ..
ثالثاً: النصوص المتواترة التي تدلّ على أن الدين كامل، وأن ما يحتاج إليه العباد متوفّر فيه، وفي مناسبة أخرى سوف نستعرض بعضاً من هذه النصوص مثل قوله سبحانه: (فما اختلفوا إلّا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، إن ربّك يقضي بينهم يومَ القيامةِ فيما كانُوا فيه يختلفُون) [١].
تهدينا الآية أنّ الاختلاف إنّما جاء بعد تمام الدين وكماله. وقلوه سبحانه: (فلِلَّهِ
[١] - الجاثية/ ١٦.