التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٢ - ٢ - معرفة الحوادث الواقعة
العرفي وليس الشخص لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وليست حالة فردية، خاصة بإنسان دون آخر [١].
ومن أبعاد الرجوع إلى العرف الشورى، فإن حقيقة الشورى ليست استفتاء الناس في ثوابت الشريعة أو يجوز استفتاء الشعب في حرمة الخمر أو وجوب الفرائض؟ انما هي في المتغيرات كالحرب والسلم، ومناهج الاقتصاد مما يختلف عبر الظروف والعصور والأمصار، ولعل قوله سبحانه في صفة المؤمنين (وأمرهم شورى بينهم) [٢] يهدينا إلى أن الشورى تهم أمور المؤمنين وليس أمر الله.
وحتى في أمور الناس الشورى تنقل إلى القيادة الرشيدة، (الخبرة) التي تحدد (مجال الحكم) و (موضوع القرار)، والقيادة الفقهية تستلهم (الحكم) الإلهي في ثوابت الشريعة أي من القيم العامة ومن النصوص الخاصة، ويصدر الحكم وقضي بالفتوى.
ويبدوا أن هذه الثنائية بين رؤية الناس ورأي الدين، هي التي تحل أعقد لغز في القضية الدينية وايت جعلت النصارى يفصلون بينهما بقولهم مالله لله وما لقيصر لقيصر.
أما القرآن فيقول: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) [٣]، (لله الدين الخالص) [٤]، ويقول: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) [٥]، وبالتدبر في هذه الآية يتبين أن العزم والقرار النهائي بيد القيادة، أما الشورى فيه تمهد للقرار، أو تسهل تنفيذه.
والرجوع إلى العرف ينسجم مع بصائر القرآن عن العقل، وأنه نور إلهي يؤتيه من يشاء، وعن الفطرة وأنها تتوافق ودين الله القويم.
وقد تواترت آيات الكتاب التي تأمر بالرجوع إلى العرف واتخاذه ميزانا، كما استفاضت الآيات التي تستشهد بعقول أولي الألباب وتحاكم الخصوم بهذا الميزان القويم.
[١] - راجع في هذا الموضوع الاصول العامة للفقه المقارن/ ص ٤٢٢- ٤٢٣ والموافقات ج ٢/ ص ٨٥.
[٢] - الشورى/ ٣٨.
[٣] - يوسف/ ٤٠.
[٤] - الزمر/ ٣.
[٥] - آل عمران/ ١٥٩.