التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٨ - ٣/ حب الفكرة
٣/ حب الفكرة
قد تحب فكرة لانها لبست حلّة قشيبة من الأسلوب الجذاب .. ولكن الظاهرة الأعجب منها- والاقل في ذات الوقت- هي:
أن تحب فكرة لانها تنسجم مع نفسية الفرد أو نفسية الأمة التي ينتمي اليها الفرد.
أ/ أما عن الإنسجام بين نفسية الفرد وإستهوائه لفكرة معينة، فقد بين التحليل النفسي لبعض الفلاسفة ان هناك علاقة وثيقة بين (نفسية) الفيلسوف و (نوعية) فلسفته.
فمثلا: في موضوع (وحدة الوجود) قالت طائفة من الفلاسفة: ان كل شيء في الكون هو شيء واحد. بينما قالت طائفة أخرى إن الأشياء هي متعددة .. وليست وحدة واحدة.
وعند التحليل النفسي: كان ذلك الفيلسوف الذي يعتد بذاته ويفرط في الإيمان به، انه كن يرى العلام كأنه مظهر من مظاهر ذاته الواحدة، وبالتالي كان يتصور ان الأشياء جميعها شيء واحد لا أكثر (وحدة الوجود)، مثلا نيتشه الذي قال: كل شيء هو أنا، بينما كان الفيلسوف الذي لا يغالي في الشعور بذاته يعتقد بوجود الأشياء منفصلة عن ذاته وبالتالي يؤمن بأن، كل شيء وجدودا خاصا به وينفي بذلك- وحدة الوجود.
ب- وقد تكون نفسية الفيلسوف أو المفكر أو الشاعر مرآة تعكس نفسية امة بكاملها، ويكون إنتاجه الفكري صدى لتلك النفسية المنتشرة بين أبناء الأمة كلها.
(من هنا ما يقوله العلماء الغربيون: ان الفيلسوفين (كانت) و (هيجل) يمثلان العقلية الألمانية، وان (ديكارت) و (فولتير) يمثلان العقلية الفرنسية، وان (لوك) و (بيرك) يمثلان العقلية البريطانية، وان (وليم جيمس) و (جون ديوي) يمثلان العقلية الأمريكية).
(هذه الفروق الفلسفية بين الأمم الأربع ليست في الواقع إلا صدى، وان كان صدى رفيع المستوى لخصائص عقلية وخلقية- تتغلغل بنسب متفاوتة في جميع الطبقات من هذه الأمم وتميز احديهما عن الأخرى) [١].
[١] - يستخدم صاحب النص كلمة العقل مكان الفكر حسب مفاهيمنا الدارجة فيه هذا الكتاب.