التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٥ - ما هي الامارات؟
الا امضاؤها، فلا بد وان يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية، ضرورة أن جعل الأحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية، بل شأنهم إنما هو إلغاء احتمال الخلاف الموجود في موارد تلك الطرق وجعله كالمعدم، والمعاملة معها معاملة الطرق العلمية) [١].
وهكذا نجدهم رضوان الله عليهم- يجعلون الطرق العقلائية اصلا في حجي الامارة، فما هي الطرق العقلائية وكيف اصبحت حجة، واذا عرفنا حجيتها افلا ينبغي لنا ان نعمدها في كل المجالات وكيف؟
نعود- للإجابة عن هذه المسألة- إلى البصائر التي سبقت الإشارة اليها، وابرزها ان حكمة ابتعاث الرسل تتمثل في إثارة عقل الإنسان وتنوير ركائز وجدانه، وتذكره بما نسي من فطرته لم يكن الشرع بديلا عن العقل، بل مكملا له.
وكذلك بالنسبة إلى العقلاء وأعرافهم الحميدة، ومناهجهم الرشيدة، فلم يأت الشرع لإنكارها، بل لتزكيتها وتنمية الجوانب الإيجابية فيها. لذلك فانه أمر بالعرف، واستشهد بوجدان ذوي الألباب.
ولم نفهم من عقولنا أن مراد الشرع منا أكثر من تحري أوامره ونواهيه بالسبل العرفية التي يجري عليها العقلاء وهكذا نعرف- من وجدان عقولناأن من تحرى عن أحكام دينه بهذه السبل فهو قد أبرأ ذمته، وأدى واجبه.
فمن سمع من ثقة خبرا، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الريب في كلامه عرفا فلم يعمد به كان عند العقلاء ملموما وغير معذور، وعكسه صحيح أيضا: فلو عمل بكلامه برئت ذمته، وقبلت حجته، وهكذا فإن أدلة الإشتغال أو البراءة، هي الأخرى محمولة حسب الفهم العرفي ايضا، واذا لا دليل على اشتغال ذمة المكلف بأكثر من القدر العرفي فيكفي فيه البراءة بذات الطريقة.
ولما استقرأنا سبل الشرع في إبلاغ أحكامه، لم نجده يشذ عن تلك السبل العقلائية، بل أمضاها وأكد عليها في مناسبات شتى فعلمنا من استقرائها جميعا، علم اليقين بأنه مضى على نهجهم، وأمضى سننهم، ولم يبتدع نهجا جديدا ولا ارتدع عن نهج ارتضاه العقلاء في تعاملهم مع بعضهم.
[١] - المصدر/ ص ٧٥.